نسخة الهواتف المحمولة

  متقدم

القائمة الرئيسية

قصة قصيرة

كتب ودراسات

ثقافة



شعر


زيارة لمنزلنا القديم بقلم:ربحي الخطيب

تاريخ النشر : 2008-07-04
القراءة : 624


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

كان عصر يوم الخميس ، و كنت قد انتهيت من كافة مشاغلي و التزاماتي ، فراودتني فكرة زيارة صديقي (أكرم) ، الذي لم أره منذ مدة ، و كانت الأجواء صافية ما شجعني للذهاب إليه سيرا على الأقدام ، أشتم فيها رائحة الزهور ، و أتنسم نسمات ساعات العصر العليلة الباردة ، كنت بطيئا في طريقي ، إلا أنني لم أشعر بالوقت أثناء السير ، حيث أنني كنت غارق في تفكير عميق ، ما إن وصلت منزل (أكرم) حتى خرجت عليا شقيقته الصغيرة (أفنان) و أخبرتني أن(أكرم) ليس موجودا في المنزل ، لا أنكر أنها خيبت آمالي ، فأنا غير مستعدا للعودة أدراجي بخفي حنين ، فقلت في نفسي " ماذا عساي أفعل الآن" ؟ فقررت السير وحيدا في شوارع غزة الكئيبة ، وأنا نادرا ما أفعلها ، فبدأت رحلتي التي كانت بلا هدف ، وواصلت مسيري ، و كنت أثناء سيري أفكر في موضوع شائك و معقد ، إلا أنه و في ذات الوقت ، يروق لي و أحبه و أعشقه ، أفقت من حلمي فإذا بقدماي تجرانني للحي الذي كنت أسكن فيه قديما ، فقلت في نفسي ، اشتقت لرؤية منزلي القديم سأذهب لكي أراه و أطفئ في قلبي لوعة و نار ، اقتربت من الحي و بدأت أتشمم رائحته ، فلاحظت أن الرائحة لم تتغير (والله العظيم لم تتغير) رغم ما مر عليها من سنين طوال ، لا شك أن بعض المباني قد تغيرت بفعل التقدم العمراني ، إلا أنني لمست و تشممت رائحة الماضي العريق الأصيل , كنت أضحك على بعضهم و أسخر منهم حينما يذكروا الحنين إلى الماضي أو يتغنوا بأصالته و سحره ، إلا أنني هذه المرة قد لمسته (لمسته فعلا) , لدرجة أن أبا أحمد بائع المكسرات لا زال يستخدم ذات العرباة و ذات الصاج الذي كان ( يقلي عليه البزر) توجهت إليه لكي أشتري بعض المكسرات أتسلى بها في طريقي و فلاحظت أن الزمن قد عثى عليه و بانت خطوط الزمن واضحة في جبينه، أنا عرفته إلا أنه لم يعرفني ، كان يدقق النظر في ملامحي و بدا عليه أنه كان يقلب في أرشيف ذاكرته عن صاحب هذه الملامح إلا أن المحاولة بدت يائسة ، أعطاني البزر و حاسبته بسرعة ، وعدت لأغرق في تفكيري العميق من جديد ، واصلت طريقي ، و أنا في طريقي جعلت أناظر صور الشهداء على الجدران ، فصعقت عندما علمت أن صديق الطفولة ( باسل) قد استشهد منذ ما يربو على عامين ، و أنا لا أعرف ، فسرحت في صورته و تذكرت أيام المدرسة و كيف كان يرافقني في طريقي إلى المدرسة كل يوم ، و كيف كنا نروح سويا و نغدو سويا ، كنا والله لا نفترق إلا للنوم ، رحمك الله يا صديقي (باسل) ، أكملت طريقي و أصبحت قاب قوسين أو أدنى من منزلي ، مررت على جماعة - فيما يبدو أنهم من أهل المنطقة - كانت تجلس على قارعة الطريق ،تعرفتهم على الفور ، إنهم ( العم أبو زكي و نجليه زكي و يعقوب و شقيقه نبيل) ، لم أدر ما الذي منعني من طرح السلام عليهم ، أو حتى السؤال عن حالهم ، لعلها الدنيا و تعاقب الأيام هي من قست قلبي فجعلته كالحجر، كما أنني لا أحتمل أن أعيش هذه المواقف ، حيث أن البعض يقول إذا كانت لحظات الفراق صعبة , فإن لحظات اللقاء أصعب، و ها أنا ذا ألتقي بهم بعد مرور سنين طوال ، عندما اقتربت منهم سمعتهم يتمتمون قائلين " ماش هادا هو ربحي ابن الدكتور معين" ؟ ، خفق قلبي حين سمعتهم يتداولون اسمي في مجلسهم، إلا أنني تجاهلتهم و تصنعت عدم معرفتي بهم ( لا أدري لماذا) ، تجاوزتهم ببضعة أمتار فإذا بيعقوب ينادي قائلا " ماش أنت ربحي , تعال من إيش خجلان" تسارعت نبضات قلبي و تسارعت خطاي ، و تصنعت كما لو أنني لم أسمعه ( فأنا لا أحتمل تلك المواقف) و أكملت سيري مسرعا ، و عندما وصلت إلى البيت وقفت باهتا ، ( نعم لقد عشت شعورا غريبا من نوعه) فلقد كان هذا المكان في يوم من الأيام مرتعي و ملعبي ، ثم أجهشت بالبكاء ، بكيت و بكيت و بكييييييييت ، حتى أن أحد المارة قد تعجب من بكاء هذا الشاب البالغ كالأطفال الصغار ، لم أحفل به وواصلت بكائي ، و جعلت ألمس الأبواب و الجدران، تحسستها فشعرت بدفئ غريب ، شعرت بألفة و غربة في ذات الوقت ، حتى أنني وددت لو أنني أقرع الباب أو أرن الجرس , و أنتظر من أمي أن تفتح ليا الباب كما كانت تفعل في السابق، إلا أن العادات و التقاليد منعتني من إزعاج عائلة آمنة في منزلها ( الذي كان مع الأسف منزلي في يوم من الأيام) وددت ساعتها لو أنني أتصل على والدي و أطلب منه أن يقوم بإرجاع ثمنها و نقودها و أن يسترد المنزل ، لكي أتمكن من الدخول بها مرة أخرى فإن ساكنيها ليسوا بأحق مني فيها , جلست منكسرا تحت شرفة المنزل ، و غرقت من جديد في محيط أفكاري العميقة، أفزعني سؤال أحدهم عن تاريخ اليوم ، فناظرت هاتفي الخليوي و أخبرته أن اليوم هو 3/7/2008، ثم سألت نفسي مستغربا " بماذا يذكرني هذا التاريخ" و أجبت قائلا لنفسي " إنه ذات اليوم الذي خرجنا فيه من المنزل , حيث أننا قد خرجنا في 3/7/1998 , ما يعني أنني قمت ( بمحض الصدفة) بإحياء الذكرى العاشرة لمغادرتي هذا المنزل الحبيب في ذات المنزل على أبوابه و أسواره، في زيارة غير مبرمجة و لم يتم الإعداد لها من قبل، اكتشفت أن قدمي لم تطأ هذا المكان منذ 10 سنوات بالضبط , قمت متثاقلا من مكاني لكي أعود أدراجي، و أوقفت إحدى التكسيات و ركبت فيها ، و استكمالا لمسلسل الصدف لهذا اليوم قام السائق بتشغيل الراديو على إحدى المحطات المحلية ، فإذا بي أستمع للفنانة القديرة (فايزة أحمد) و هي تغني و تقول( بيت العز يا بيتنا) , ابتسمت ابتسامة غامضة و عدت لأغرق في تفكيري العميق ، فبالرغم من كل هذا ، كنت أنا أسبح في عالم آخر , كنت أفكر في حبيبة قلبي ...نعم فيها..... ( فيها فقط).


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. روعة
    هانى ، 05-07-2008
إلى أعلى الصفحة