نسخة الهواتف المحمولة

  متقدم

القائمة الرئيسية

قصة قصيرة

كتب ودراسات

ثقافة



شعر


من أجل حفنة طحين بقلم:سليم عوض عيشان ( علاونه )

تاريخ النشر : 2008-07-01
القراءة : 1284


من  أجل حفنة طحين  بقلم:سليم عوض عيشان ( علاونه )

كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )
************************
(( من أجل حفنة طحين ))
لا زلت أذكر تلك الكتل اللحمية الآدمية المتراصة . حيث يقف القوم تحت أشعة الشمس الحارقة صيفاً ، وتحت المطر المنهمر من السماء وزمهرير الشتاء القارس شتاءً .
رجال .. نساء .. أطفال .. شيوخ .. وعجائز .. مزيج غريب من الأعمار والأجناس يتحادثون .. يتصايحون .. يتضاحكون .. يتشاجرون .. لألف سبب وسبب .. وفي كثير من الأحيان بدون أي سبب .. ولا يملون ذلك أبداً .
كنت طفلاً في العاشرة أو أكثر قليلاً عندما بدأت الوقوف بين الكتل الآدمية المتراصة .. كان أبي يرغمني على الذهاب معه إلى هناك وترك المدرسة في ذلك اليوم .. لمرة واحدة في كل شهر .. أحمل الأكياس والأوعية الفارغة على كتفي .. يرافقني أبي وهو يطوح بعكازه الضخم ذات اليمين وذات الشمال ، فلعله كان يأنف من حمل هذه الأشياء ، أو هو يجد في حملها إحراجاً له ؟‍‍! ويكتفي بمرافقتي ، ولعله كان محرجاً في ذلك أيضاً ؟! .
كنت أقف بين الكتل اللحمية الآدمية المتراصة إلى جانب والدي كالأبله ، أراقب ما يدور من حولي محاولاً استيعاب الأمر دون جدوى ، لم أحادث أحداً ، ولم أضاحك أحداً ، ولم أتشاجر مع أحد ، رغم أن الفرص لكل ذلك كانت متاحة ومتوفرة جداً ، وقد لا تستطيع التهرب منها في بعض الأحيان إلا بصعوبة بالغة ، أو إذا كنت جباناً ! .
.. الزحام .. الزحام .. الحر الشديد .. العرق ينساب من وجهي وجسدي بغزارة .. الذباب.. الصراخ .. الشجار . رجل في طرف المكان ينادي الأسماء ، فيلتقطها القوم بصعوبة بالغة ، فيرددها كل منهم حسب طريقته في الإلقاء وفن الغناء ؟! .. لكي يسمعها للآخرين ، كنت أرهف السمع جيداً لعلي أستمع إلى الرجل ينادينا ، فأحس بفرحة وسعادة عندما يتحقق ذلك ، فأتخلص من القوم بصعوبة بالغة .. بعد نجاح المحاولات المستميتة بتخليص ملابسي وأشيائي من بين الكتل المتراصة ، أهرول إلى جانب أبي الذي ينطلق إلى داخل المكان الفسيح .. يناول للرجل بطاقة زرقاء اللون ، مربعة الشكل أو لعلها مستطيلة بعض الشيء ، يثقبها الرجل بمهارة فائقة ودراية عظيمة بآلة صغيرة في يده ، ويفتح سجلاً ضخماً أمامه يؤشر عليه بالقلم إشارة ذات معنى ودلالة ، فيدفعني أبي أمامه بعكازه الضخم بنزق وعصبية، ويصرخ في وجهي كمن ينفث حقداً دفيناً ومعاناة رهيبة :-
 هيا .. هيا أيها الأبله .. افتح الأكياس .. بسرعة .
أمد يدي الرقيقة المرتجفة إلى كتفي .. أنزل الأشياء .. ابدأ بفتح الكيس الأول بتلعثم واضطراب وأيدٍ مرتجفة وقلب مرتعش .. يبدأ الرجل الأول بوضع مكياله الصغير في الإناء الكبير أمامه .. يملأ المكيال ولا ينس أن يزيح منه بعضه بمهارة وحذق ودراية بحجة تسوية المكيال ؟؟!! ثم يلقي بالمحتويات إلى داخل الكيس الذي تحمله يداي المرتجفتين .. إنه نصيبنا من السكر . ويبدأ العد فألاحظ بأن والدي يراقبه بعينين كعيني الصقر ، وألاحظ بأن شفتيه تقومان بالمشاركة في العد أيضاً ؟! .. وما يكاد الرجل ينتهي من الكيل والعد ، ويتأكد أبي من صحة ذلك حتى يدفعني بعكازه الضخم نحو الرجل الآخر صارخاً بعصبية :
 هيا .. أسرع .. افتح الكيس الثاني ..
فأبادر إلى ذلك فوراً ، ويبدأ الرجل الثاني بعد مكيال الأرز يتابعه أبي بعينيه وشفتيه وحواسه ، وأفاجأ بثورة عارمة وصراخ مدوٍ لأبي فجأة .. وهو يتحدث بعصبية للرجل الذي يقوم بالمكيال .. فيرد عليه الرجل بعصبية وتشنج .. فيرفع أبي العكاز الضخم يريد أن يهوى به إلى رأس الرجل .. وأنا اقف كالأبله الحقيقي لا أعي من الأمر شيئاً .. إلى أن يتدخل البعض لحل النزاع وفك الاشتباك .. وبعد نقاش طويل أرى أحدهم ينتزع الكيس من يدي ويفرغ بمحتوياته في الإناء الكبير أمام الرجل .. فيأخذ الرجل بالمهمة من جديد يشاركه العد أبي وعدة رجال آخرين ؟؟‍‍!!.
انتقل بسرعة من مكان إلى آخر ، يطاردني عكاز أبي بقوة وعصبية ، ونزيف العرق وسرب الذباب اللعين . إلى أن وصلت إلى المهمة الكبيرة ، حيث الرجل الذي يتولى أمر توزيع الطحين .. أخرجت الكيس الكبير من تحت إبطي .. قمت بفتحه على آخر مدى .. امتدت يد أبي لتساعدني لأول مرة .. لأنه يعلم جيداً ويدرك صعوبة الأمر، نظراً لثقل وزن الطحين ، وكبر حجم الكيس ، فلعله كان يشفق عليّ .. بل لعله يشفق أن يسقط شيئاً من الطحين على الأرض ؟! .
يمتلئ الكيس أو يكاد ، فأبدأ بجره إلى الخارج لالتقاط الأنفاس ، يقترب أبي ويعمل على إحكام الرباط تمهيداً لوضعه على ظهري لنقله إلى البيت غير القريب من المكان .. أشعر سلفاً بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقي .. يهمس أبي في أذني :-
 لتحمل الكيس فوق ظهرك .. وسأحمل أنا بقية الأشياء .. فليس لديّ نقود لأدفعها إلى الحمال أو العربة .. هيا ... هيا ..
يتقدم أبي نحوي .. يمد كلتا يديه نحو كيس الطحين .. يرفعه ويلقي به إلى ظهري ، أتشبث به خشية وقوعه على الأرض أو وقوعي ، أبدأ بالسير بخطوات وئيدة ، يسبقني أبي بخطوات وخطوات ، وقد وضع الأكياس الصغيرة في عكازه الضخم بطريقة عجيبة وأمسك بها فوق كتفه .
أخذت أشعر بوطأة التعب والألم لثقل الحمل ، خاصة وأنني لم أتعود مثل تلك الأمور ، أخذ العرق في الانسياب إلى وجهي وعينيّ .. يمتزج بالغبار الرملي وغبار الطحين ليكوّن لزوجة غريبة .. بينما راح سرب الذباب يطاردني ويلاحقني بقسوة .
رحت أكابد الألم والتعب والإرهاق .. العرق والغبار واللزوجة الغريبة .. سرب الذباب اللعين ، أكتم الآهات الدفينة والحشرجات المكتومة .. أضغط على أسناني بعنف وأجبر قدماي على السير بخطوات وخطوات .
أخذ مني التعب مأخذه ، والألم نصيبه ، ولم أعد أحتمل أكثر من ذلك .. صرخت بكل ما أشعر به من معاناة وكبت :
- أبي .. أدركني ..
ولم أستطع أن أتحمل ثقل الحمل حتى يدركني أبي .. سقط الكيس على الأرض محدثاً دوياً هائلاً .. تمزق من أحد جوانبه .. تبعثرت منه حفنة من الطحين ، نظر أبي نحوي بغيظ وحنق وكأنني اقترفت إثماً لا غفران له .. ودون أن يفتح فمه ، وجه لي صفعة قوية عقاباً على ما اقترفت من إثم ؟؟!! .
كتمت غيظي وألمي وتعبي ومعاناتي ... تساقطت الدموع من عينيّ ساخنة حارقة .. بدأت بالتقاط أطراف الكيس الممزق لمعالجته لمنعه تسرب المزيد من الطحين منه .. راح أبي يساعدني في الأمر متأففاً ضجراً .. ثم رفعه بين يديه بنزق وعصبية وألقى به على ظهري مرة أخرى .. هدر مزمجراً :
 هيا .. سر .. وإياك أن تلقي به إلى الأرض ثانية .
هتفت في نفسي بين العبرات :
" آه يا أبي .. أتصفعني من أجل أمر بسيط حدث رغماً عن أنفي ؟! .. ألا تشعر بتعبي وإرهاقي وآلامي وضعفي .. فتصفعني هكذا ؟؟!! .
سرت بهمة ونشاط لم أعهدها .. حريص على الوصول إلى المنزل .. وحريص أكثر على عدم سقوط الكيس على الأرض مرة أخرى .
بعد انتهاء المهمة الشاقة العويصة .. هرولت ناحية شاطئ البحر القريب من كوخنا المتواضع .. خلعت ملابسي الرثة .. أخذت أنفض عنها الغبار ، ألقيت بها إلى رمال الشاطئ .. ألقيت بنفسي إلى المياه المتلألئة .. ورحت أزيل العرق والغبار والطحين واللزوجة الغريبة .. فكان لي ذلك .. حاولت أن أزيل آثار تلك الصفعة عن وجهي .. استعملت كل مياه البحر .. دون جدوى .
تذكرت تلك الصفعة ، بعد سنوات وسنوات .. عندما أقام جارنا " الحاج بعزق " فرحاً مهولاً بمناسبة زواج ابنه المدلل ، فلقد أقام عرساً لم تشهد له المدينة مثيلاً .. أحضر الفرق الموسيقية والغنائية .. وفرق الرقص والمجون والفجور .. وأقام الولائم .. ذبح الذبائح والتي أحصيت ذيولها فيما بعد فكانت سبعة عجول سمان !!! .. وقدم الحلوى والحلويات .. الشيكولاتة والمثلجات .. الخمور والمحرمات .
ولم يكتف بحضور مصور للفيديو .. بل أحضر ثلاثة .. أشاع في المدينة بأنه قد وضع في بعض علب الفرح من الملبس الفاخر جنيهات ذهبية ؟؟!! .. أحضر مائة سيارة زينت بأوراق الزينة والورود والزهور .. سارت الخيول الغربية غير الأصيلة أمام الموكب المهيب المبتذل ، فكان يوماً .. وكانت ليلة كليالي ألف ليلة وليلة .
في صبيحة اليوم التالي .. كان " الحاج بعزق " يقوم بمهمة غريبة .. فلقد شاهدته يقوم بنقل أواني الطعام الضخمة من أرز ولحوم وحلوى من مخلفات العرس ، ثم يلقي بها إلى مجمع النفايات في الحي ّ ، يساعده نصف دستة من أبنائه ذوي العضلات المفتولة ، ولم يلبث أن هب لمساعدتهم بعض الأقارب ، إذ يبدو بأن المهمة كانت عسيرة وشاقة ، فالطعام كثير كثير ، واللحم والحلوى أكثر ، وكلها يلقون بها إلى مجمع النفايات ؟؟‍‍ .
وقفت مشدوهاً أراقب الأمر فاغراً فاهي كالأبله .. عادت بي الذاكرة إلى سنوات وسنوات بعيدة .. مددت يدي أتحسس وجهي ، حيث صفعني أبي ذات يوم وأنا طفل غض صغير .. وجدتني أتمتم بصمت :
- يبدو بأن والد هذا الرجل " الحاج بعزق " لم يصفعه يوماً ما ..
" من أجل حفنة طحين " ؟؟‍‍!! ..


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 10
  1. أخي سليم ( أبو باهر )
    أيمن الوريدات ، 01-07-2008
  2. أخي ورفيق الدرب الأستاذ / ايمن الوريدات
    سليم عوض عيشان ( علاونه ) ، 01-07-2008
  3. اخي سليم عيشان
    مجدي السماك ، 01-07-2008
  4. الأخ الأديب / مجدي السماك
    سليم عوض عيشان ( علاونه ) ، 01-07-2008
  5. علاونه
    عصام عقرباوي ، 01-07-2008
  6. الى الاستاذ الفاضل (ابو باهر)
    عبودي فلسطين ، 02-07-2008
  7. تحية بعد الغياب
    زياد مشهور مبسلط ، 02-07-2008
  8. الأخ القدير الأستاذ / عصام عقرباوي
    سليم عوض عيشان ( علاونه ) ، 02-07-2008
  9. " عبودي " الحبيب .. " فلسطين " الحبيبة
    سليم عوض عيشان ( علاونه ) ، 02-07-2008
  10. الأخ العزيز الأستاذ / زياد مشهور مبسلط
    سليم عوض عيشان ( علاونه ) ، 02-07-2008
إلى أعلى الصفحة