- الإثنين - 2008/10/13
- لإعلاناتكم
- راسلنا
- هيئة التحرير
- بحث
- اضف مقالا
- الأرشيف
- دنيا الوطن
- الرئيسية
زفاف على قائمة الانتظار بقلم:أحمد ابراهيم الحاج
زفافٌ على قائمة الإنتظار
.................................
إنه زفاف فتاة فلسطينية حالمة الى شاب فلسطيني طامح جمعهما الحب في بوتقة الوطن وفرّق بينهما الإحتلال، والزفاف مسجّلٌ في قائمة الإنتظار على الأجندة الفلسطينية ينتظر التأكيد ، ولكنه مُسجلٌ في قائمة الإغتيال على الأجندة الإسرائيلية ينتظره الضياع ، وهذه تالياً قصته:
تنويه: هذه القصة والقصص التي سبق وأن كتبتها ونشرت ، كانت في مغزاها ولبّها وموضوعاتها قصصاً حقيقية وواقعية ، وأدخلت عليها عناصر القصة الفنية من أسماء الأبطال والحبكة القصصية والصور التمثيلية والخيالية لمواقف كانت خفية علي ونسجتها بخيالي المُستوحى من واقع المشاهدات وقصص المعاناة للمواطنين الفلسطينيين ومن التراث الفلسطيني لتلبس ثوباً أدبياً وطنياً بنكهة فلسطينية خالصة ولتوثيق المآسي الفلسطينية للأجيال القادمة لتبقى في الذاكرة الوطنية.
...........................................................................................................................
استيقظت ياسمين من نومها في أحد أيام شهر كانون الثاني في سنةٍ من سنوات الإحتلال البغيض والتي ما زالت تجثو على صدور الفلسطينيين، وكان يوماً غائماً بغيومٍ مبعثرة في السماء ، وعاقرة لا تُنبِؤ عن غيث قادم منتظر ولا تحمل في طياتها قطرات من الماء، وكان مصحوباً برياحٍ جافة وقوية وباردة جداً ، ومغبرةٍ لإثارتها النقع ، وتحمل في طياتها أوراقاً أسقطها الخريف وأوراقاً لكراريس التلاميذ بعثرها الإحتلال ، وشعرت على غير العادة بانقباضٍ لم تجد له تفسيراً إلاّ أنه كان مبنياً على قاعدةٍ من نومٍ مشوبٍ بالقلق والخوف على زفاف قد نضج واستحق القطاف ، وتأجل مراتٍ عديدة ، وما زالت عصافير الحب تنقر ثماره وتستخرج لبه وحشاه ، وأضحى كريشة في مهب الريح ، ريح الإحتلال العاتية، وكان نومها في الليلة الفائتة مصحوباً بأحلامٍ رمادية مشوشة لا تتذكر تفاصيلها جيداً ، ولكنها تتذكر أنها كانت أحلاماً مزعجة ، واعتبرتها ياسمين أضغاث أحلام وحاولت نسيانها مكابرةً ومعاكسةً لحدسها بنذر احتلالٍ لا تبشر بالخير ، لتبدأ يومها بنشاط وحيوية كعادتها في كل صباح ، متمسكةً بخيطٍ رفيعٍ من الأمل تهزه رياح الفرقة بين الإخوان وتضعف تماسكه ، ولكنها ما زالت تمسك به بأطراف أصابعها. فياسمين أنهت دراستها الجامعية في الصيف الفائت ، وتخرجت من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة بير زيت ، وكانت تنتظر حلمين قريبين من التحقيق في حكم المنطق والحساب والحق والعدل ، لكنهما بعيدين في حكم الواقع تحت الإحتلال والحصار الخانق ، الحلم الأول والصغير والذي يحتمل التحقيق قريباً هو حصولها على فرصة عمل لتساعد بها أمها التي تعمل مدرِّسة وتعيل الأسرة ، فهي حاصلة على تقدير جيد جداً في تخصص مطلوب ونادر وتنتظر الردود من الجهات التي تقدمت لها طالبة العمل بعد تخرجها مباشرة في شهر حزيران المنصرم ، وكانت ياسمين تعقد في البيت حلقات دراسية لتلاميذ حارتها لتعويض ما يفوتهم من دروس من جراء الإجتياح العسكري للقرى الآمنة ومن طوق الحصار والأحكام العرفية والتعسفية على الناس من منع التجوال والعقوبات الجماعية الى قطع الماء والكهرباء ومنع سيارات الإسعاف من إنقاذ الجرحى ومنع الصحفيين من نقل معاناة الناس ، والحلم الكبير الثاني هو زفافها الى خطيبها الذي تعرفت عليه بالجامعة وأحبته وأحبها ، وإقامة حفلٍ بهيج يدعوان اليه الأصدقاء والأقارب ، وتُفرح به أمها وجدتها لأبيها اللتان تعيشان معها في نفس البيت ، وكان أخوها واسمه مجاهد معتقلاً لدى قوات الإحتلال ويقضي فترة محكوميته متنقلاً بين السجون الإسرائيلية الكثيرة والمأهولة بالسكان في طيات الوطن ، وحرمت العائلة من الفرحة بعرسه الذي استحق ولم يسدد وقُيد على حساب ديونٍ مشكوكٍ في تحصيلها أو معدومة التحصيل نظراً لحكمه بالمؤبد ثلاث مرات.
كانت ياسمين وحدها تعلم أن خطيبها خالد والذي كان يعمل مهندس اتصالات في شركة اتصالات ويرأس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدارالعازل في قرية بلعين ، وكذلك كان يعمل ناشطاً يالمقاومة الشعبية بصفته رئيساً لاتحاد طلبة الجامعة وكان يقدم لمقاومي الإحتلال دعماً لوجستياً من موقعه بأقصى درجات السرية والكتمان، فهو من بلدة بلعين التي سطرت اسطورة من أساطير المقاومة الشعبية التي لا تعرف اليأس والقنوط ، والتي حققت إنتصاراً على أطماع الإستيطان الإحتلالية بصدورها العارية ووجوهها المكشوفة بنور الحق الثابت في الأرض ، وكانت ياسمين عضوة في اللجنة الثقافية في اتحاد طلبة الجامعة الذي كان يرأسه خالد ، وتعودا على العمل الوطني سوياً ، حيث التقيا في عرس الوفاء للوطن ، فجمعهما حب الوطن الكبير ، وانصهرت في هذه البوتقة الوطنية (جامعة بير زيت) عواطفهما في هدف واحد هو الإخلاص للوطن ، فتمازجت تلك العواطف واتحدت وأنتجت مركباً كيميائياً متماسكاً بروابط الحب وأصالة الإنتماء للوطن ولا شيء غير الوطن ، فكان حباً قد ارتكزت قواعده وأرسيت على أعمدة قوية شامخة من الأصالة والإنتماء للأرض وممتدة في أعماق الأرض ، لم تستطع ظروف الإحتلال أن تزعزع كيانه المتين. لذلك كانت قلقة على موعد الزفاف ولم تكن قلقة على مصيره وحتمية إتمامه في يومٍ من الأيام ، إن لم يكن زفافهما فسيكون زفاف أولادهما أو أحفادهما إن لم يكتب لهما النصيب ويجمعهما في بيت واحد ، لأنهما نذرا نفسيهما لهذا الحب الذي يستظل بخيمة حب الوطن، بينما كانت أمها مطمئنة لإتمام هذا الزفاف المؤجل لظروف الإحتلال القاهرة لثقتها في صهرها خالد الذي لم يوفر من جهده في سبيل مساعدة الأسرة والوقوف بجانبها بعد اعتقال ابنها مجاهد ، إضافة الى صداقته القديمة والعريقة لإبن الأسرة ، فقد كان هو ومجاهد أصدقاء الطفولة والشباب وزملاء الدراسة ، وكان خالد يعوضهم عن غياب أبنهم مجاهد وعن استشهاد زوجها عبدالرحمن (ابو مجاهد) برصاص الإحتلال الطائش على المدنيين ، فكلما حددوا موعداً لهذا الزفاف سقط شهيدٌ من أقاربها أو من أقارب خالد ، أو حدث اجتياح عسكري لبلدتهم ، وتطويق للبلدة يعزل حاراتها عن بعضها البعض ويجعل التواصل بين الناس مستحيلاً. وفي إحدى المرات جرح خالد وهو يقود مظاهرة ضد الجدار العازل قبل موعد الزفاف بليلة واحدة ، وهكذا هو حال الفلسطينين تحت الإحتلال. يعيشون ليومهم فقط ولا يستطيعون التخطيط للغد ، نظراً لتحكم الإحتلال بمقدراتهم ومفاجأآته المتكررة لهم على مدارالساعة من اجتياح واعتقال وهدم للبيوت لمجرد اشتباه لم يثبت بحقه سبب الإشتباه. لم يكن في المنزل مع ياسمين سوى جدتها لأبيها التي كانت تقترب من الثمانين عاماً ، ولكي تزيل تلك الغشاوة التي اعترت مزاجها وسببها الإنقباض النفسي ، هرعت الى المطبخ وجهزت الفطور الفلسطيني التراثي الذي تعودت عليه جدتها (الزيت والزيتون والزعتر والشاي وقطعة من الجبن البلدي) ، ونادت جدتها لتتناول الفطور ، وبعد أن تناولتا الفطور معاً أحضرت القهوة وجلست تتناول أطراف الحديث مع جدتها التي طالما كانت تقص عليها الذكريات الجميلة في بلدتهما المحتلة في قضاء حيفا وكانت تعرج في قصصها على ذكريات النكبة المؤلمة. وبينما هي تستمع لأحاديث جدتها ، قرع جرس الهاتف وهرعت ياسمين يحدوها الأمل بأن المتصل هو حبيب العمر خالد ، رفعت السماعة الى أذنها بعد الرنة الثالثة تفتعل الإصطبار ، وبادرت : ألو صباح الخير ، وعلى الفور تلاطمت موجات صوت الحبيب مع غشاء أذنها الرقيق المتحفز لسماع أجمل الألحان ، تطرق أسماعها بنفحات الشوق والحنين ، تماماً كنفحات النسيم العليل الذي يداعب نبتة الياسمين الرقيقة والتي تعبق برائحتها الطيبة أجواء الحديقة ، فيحمل النسيم رائحتها متهادياً الى البيت من أبوابه المشرعة ليطوف بها أرجاءه ليعطره بأطيب رائحة في عرفها. وبعد مبادلة للتحايا والأشواق بين الخطيبين في صفقة رابحة في سوق الحب والأصالة والوفاء ، قال لها خالد : ياسمين أنا قادم اليوم مع والدي ووالدتي لنحدد موعد الزفاف بغض النظر عن أية ظروف ، لقد أصبحت هذه الظروف جزءاً من حياتنا وتعودنا عليها ، زفاف عريس مع زفاف شهيد ، هذا قدرنا ولا بد أن نتعامل معه بواقعية ، ولا بد من أن نعيش تماما كما قال الشاعر:
سأعيش رغم الدّاء والأعداء كالنسر فوق القمة الشّماء
وعلى تبادل التحايا والأشواق بين الحبيبين ، كانت الجدة تسترق السمع مصغية وقد عادت بها الذكريات الى أيام الشباب ورسمت على وجهها إبتسامة بين ثنايا تجاعيد خدها ، وبدت ابتسامتها خافتة باهتة كضوء الشمعة التي توشك على نهاية الإحتراق ، ولكن شمعة ياسمين التي هي في بداية احتراقها كانت تضيءُ المكان عليهما. ففرحة الجدة بإبنة إبنها أضفت على ابتسامتها نوراً بدد دياجير الشيخوخة وغطى الأخاديد التي حفرها الزمان على خدها من معاناة النكبة وآلام النكسة من الأعداء ومن لواعج الفرقة بين الإخوان في الوطن الواحد. ولاحظت الجدة على حفيدتها السرور والإنبساط ، فسألتها : أكيد هذي مكالمة من خالد ، فردت عليها ياسمين نعم يا جدتي ، سيأتي الليلة مع والديه لبحث أمور الزفاف وتحديد موعده ، فقالت الجدة : يا ما انت كريم يا رب ، يا مفرج الكروب ، فرِّج كربتنا. والله نيّالكم يا بنات اليوم ، الوحدة بتحكي مع خطيبها وبتشوفو ولمّا تكتب كتابها بتطلع معاه على السينما وبتجلس معاه لوحدهم ، يا حسرة على أيامنا ، أي والله بتذكر يوم أجا ابوي من الديوان ولقاني بتصنّت على خطيبي من وراء الحيط وهو بحكي مع أخوي وشافني ، والله لا يحطك محلّي ، كتلني كتلة نصها موت ، خلاّ جنابي زرق زرق من جلد الحبل. وفي لحظات شعرت ياسمين بقرب تحقيق الأمل الكبير ، طفقت تقبل وتمازح جدتها العجوز والتي ما زالت تحتفظ بذاكرة قوية وجسد متماسك استقوى على النكبة والنكسة وعلى القهر والتشريد والشتات ، : جدتي ، جدتي ، ردت عليها جدتها : نعم يا حبيبتي ، قالت ياسمين : حدثيني عن يوم زفافك الى جدي ، فضحكت الجدة ضحكة شابها كحةٌ خفيفة تنم عن ألم مخبأٍ في الصدر ، فهي لم تنس بعد ولدها عبد الرحمن الذي استشهد قبل خمس سنوات ، ولكنها رأفت بحال حفيدتها وأرادت أن تبعث فيها الأمل ، مستنيرة بلحظات السعادة التي قضتها يوم زفافها الى جد ياسمين (ابو العبد) ، وطلبت من ياسمين أن تجهز لها الشيشة. قائلة : لا حدى حوَّش ، بدنا نفرح ونعيش ، إذا بدنا نلاحق حالنا بنظل حاطّين الحزن في الجرة ، الدنيا رايحة يا بنتي ، اليهود بدهم إيانا نظل حزنانين ، لكن رح نفرك بعينهم بصلة ونعيش مثلنا مثل غيرنا وصامدين على أرضنا ومرابطين الى يوم الدين ، أي والله لو صار إليّ حصل معانا مع شعب غيرنا إلاّ دفنوا حالهم في التراب وهم طيبين ، شغلي هالمسجل على أغاني حلوة مثل هذي إغنية "علّي الكوفيّة علّي ولولح فيها " وفرجيني كيف بدّك ترقصي لعريسك ، وإذا قدرت بعد نفس الأرجيلة رح أرقص معك. ذهبت ياسمين تدندن بالأغاني وتقفز كأنها طفلة صغيرة فرحة بالعيد ، وأحضرت الأرجيلة والمسجل. وبدأت الجدة تقص عليها يوم الزفاف : يا بنيتي ، لقد كانت أيامنا صعبة وقاسية لتفشي الفقر والجهل ، ولكننا كنا نعيش أياماً حلوة في وطننا ، فيها راحة وهداة بال، ننعم بخيرات أرضنا ومناخ وطننا الجميل متحابين متعاونين متساوين في مستوى المعيشة ، ونساعد بعضنا بعضاً ، ولا يحسد بعضنا بعضاً ونحب لغيرنا كما نحب لأنفسنا تجمعنا الأفراح والليالي الملاح وتجمعنا كذلك الأتراح ، وتقدّم الي جدك أبو العبد - هَيْ روحه طلبت الرحمة - (ألف رحمة تنزل على روحه) - يطلب ايدي ، لكن كنت أحلى بنت في القرية ، وكثر طلاب يدي من قريتنا ومن القرى الأخرى ، وِلاّ إنتي جايبه هالحلاوة من وين ، ولكنني بصراحة كنت هاوية ابو العبد ، فقد كان شجاعاً وشهماً وكريماً وكان زينة الشباب ، خاصة يوم كان يعنقر العقال ويمشي في الحارة الكل كان يهابه من الشباب، وهو من عائلة ثانية من نفس بلدنا يعني مش من عيلتنا ، ورفضه أبي في البداية ، ولكنه لم يفقد الأمل ، وكان أبوه من وجوه القرية ، ولم يترك شيخاً أو مختاراً في قريتنا والقرى المجاورة الاّ وسّطه عند أبي من أجل الموافقة ، وبضغط من أمي ومخاتير ووجوه البلد والقضاء وافق أبي على زواجي منه على مضض ، وهنا قاطعتها ياسمين قائلة : طيب ليش رفض ابوك يا ستي ، فقالت الجدة : بدك الصحيح والاّ ابن عمه ، فقالت ياسمين : طبعاً الصحيح ، فردت :لأنه كان الله يسامحه ويحسن اليه كان نسونجي يعني بحب النسوان وحاط عينه على بنت الجيران بده يجوزني بدل ، هو يجوّز بنت الجيران ويجوزني لأخوها ، وكان متجوز ثنتين وطمعان بالثالثة ، ولولا إخوتي وقفوا لأبوي وهددوه بترك البيت والتخلي عنه ، لكن بصراحة جدك ابو العبد ، الله يرحمه كان بجنن مثل عريسك خالد وكان يبطح كل الشباب ما حدى يقدر يبطحه. وكان شاطر في الدبكة ولوّيح وكمان بعرف يشبب على الشبابة والأرغول. وبصراحة لو ما أخذته ما بدري كان شو صار فيّ. فقاطعتها ياسمين مقهقهة : والله كاينة ما انت قليلة يا جدتي ، وطفقتا في ضحكة بددت غيوم القنوط واليأس وبعثت سعادة غامرة في نفسيهما ، وأضفت على المنزل الحيوية والنشاط. وقالت ياسمين : كمّلي يا جدتي.
وتابعت الجدة حديثها قائلة : وكان مهري أغلى مهر في كل المنطقة والقضا ، وكنت أول وحدة من بنات البلد طِلِع معاها غرفة نوم ، اشتراها وجابها جدك من القدس ، وكل البلد كانت تحكي فيها ، وكانت كل العرايس تطلع بصندوق وفرشات ولحف ومخدات ، إلاّ أنا طلعت بغرفة نوم وتسريحة ومراية كبيرة وطلعت مشنشلة ذهب ، حوالي خمسة وعشرين ذهبة عصملّيه مثل هذي الذهبة اليّ على صدري وقدرت أطلع فيها يوم النكبة ، والباقي أخذوه اليهود الله لا يكسبهم ويفرجينا فيهم يوم أسود إن شاء الله مثل ما سوّدوا عيشتنا. وكان عرسي من أحلى الأعراس في البلد والمنطقة كلها ، ويومها ذبحوا حوالي 30 خروف وجدي ، وجدك الله يرحمه كل ما طلعت الشمس وغابت كان يحب الفنطزية ، وهنا قاطعتها ياسمين تسأل ماهي الفنطزية ، فردت عليها جدتها بضحكة أرجعتها الى ستين عامٍ مضت : يعني الكيف والإنبساط والفرفشة يا هبلة ، فضحكت ياسمين وقالت : احكيلي كيف كان يحب الفنطزية : أسكتي يا بنيتي لا تذكريني بالأيام الحلوة واليّ ما عادت ترجع ، لكن من شانك رح أحكيلك شوية منها وقالت : اشترى الراديو أول واحد في القرية، هذا الراديو اليّ كان قد الصندوق ابو بطارية كبيرة ، وكان يوخذني على المدينة نحضر السينما في حيفا ،ويعزمني على المطاعم ، وحضرنا حفلات في يافا للحجة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ، والله ما كان يخلي فرصة للفنطزية والفرفشة الاّ ويغتنمها ، الله يرحمه بعدد الشجر والحجر والبشر. كان شايلني على كفوف الراحة ومدللني آخر دلال ، وما يخلّي بنفسي حاجة ، وأنا كنت ما أنكّد عليه أبداً ، وأبسطه ودايماً أضحك معاه ، وابتسم في البيت ، ولمّا كان يرجع من الشغل أكون منظفة البيت ومرتبته على ما يرام ومجهزة الطبيخ والحمام ، وألبس أحسن لبس ، عمره ما شافني إلاّ وأنا مرستكة ومحندقة على آخر طرز، أصحا من النوم قبل ما يصحا وأروح أزبّط حالي قبل ما يشوفني وأحضر الفطور والحمام ، مش مثل بنات اليوم الوحدة بتظل نايمة ما بتعرف متى جوزها بطلع على الشغل ، بتعرفي الواحد لمّا يقوم من النوم بكون شكله مخربط شوية. وكان ربنا موسعها عليه ويكسب فلوس مليح في هذاك الزمان ، كان أشطر دقيق حجر في المنطقة من وين مكان كانوا يسألوا عليه ويطلبوه. لكن يا بنتي أيام السعادة معدودة وما بتدوم والإنسان لازم يغتنم كل فرصة يقدر يسعد فيها نفسه لأنه ما بعرف ايش رح يصير معاه ولا ايش مخبا في الغيب. يا بنيتي ديري بالك على حالك وعلى خطيبك لأنه ابن حلال وأصيل وبستاهل والوحدة ما إلها الاّ جوزها ولا حدا بنفعها وبصونها الاّ راجلها. وختمت حديثها الجدة وقالت : أنا حكيتلك عن يوم زفافي بدّي منّك تفرجيني كيف بدّك ترقصي يوم عرسك ، أنا يوم عرسي رقصت وتجلّيت لجدّك لمّا دُخت ، بتعرفي إني رقصت وابريق الفخار على راسي ما وقع. يلله حطي أغنية وارقصي وإذا قدرت رح أرقص معك ، لأني بستنّى هاليوم اليّ أفرح فيه. ورقصت ياسمين أمام جدتها ، ولم تحتمل الجدة الصمت حيال الرقص ، فقد اشتعلت في نفسها نار الحنين والذكريات الجميلة لتكون الوقود الذي يُولِّد الطاقة التي بعثت فيها القوة والحيوية ، وقامت على ساقيها المعوجتين وبظهرها المقوّس وشاركت حفيدتها بالرقص ، وشتان ما بين الرقصتين في الشكل. رقصة التراث ورقصة العولمة. رقصة العراقة ورقصة الحداثة ، فتمازجت العراقة مع الحداثة في بوتقة الحب والوفاء والتفهّم والتفاهم يجمعهما الدم والدين والوطن ويشكل لهما مضموناً جامعاً ومؤلفاً بين النفوس، والتحم التراث مع العولمة في قالب الإنتماء للوطن الواحد ، وسرت الوطنية من جيل الى جيل لا يعتريها نزاع الإختلاف في الرأي والشكل ، ويصل بين الأجيال المتعاقبة جسور من الولاء لله وللوطن ولا شيء غير الوطن. وساد البيت جوٌ من التفاؤل والفرحة والسعادة على أمل قرب إتمام حفل الزواج المستحق ، وعادت أم ياسمين من عملها ، وألقت التحية والسلام ، واستشفت في عيون إبنتها وحماتها فرحة ظاهرة تنتظر الإنطلاق والتعبير عنها ، وقالت : يبدو أن هنالك شيئاً ما ، أو خبراً مفرحاً ، هيّا أخبراني ما خطبكما ؟ إني أرى الفرحة في عينونكما ، أراكما فرحتين وسعيدتين فوق العادة ، أشركوني معكما لكي أبدد آثار الإرهاق والتعب ، كما تعلمان فإن يوم الأحد هو يوم مناوبتي وإشرافي على الطابور الصباحي ،عدا عن الحصص الإضافية للتعويض عن غياب زميلتي في إجازة ولادة ، ولم تستطع ياسمين الصبر على كتمان الخبر ، فبادرت قائلة والفرحة والإبتسامة الغامرة مع طيف خفيف من الخجل تعلو قسماتها: سيأتينا ضيوف هذا المساء ، وردت أمها قائلة: ومن هؤلاء الضيوف المفرحين يا تُرى؟ فأجابت ياسمين على عجل : خالد ووالديه ، ويريدون بحث ترتيبات الزفاف وتحديد موعده ، فانفرجت أسارير أم مجاهد وقالت :يا حيّا الله بالضيوف ، على الرحب والسعة ، ثم أكملت دعوني أرتاح قليلاً ، فدخلت غرفتها وألقت بكراريس الطالبات على مكتبها ونالت قسطاً من الراحة بعد عناء العمل وهموم توفير احتياجات البيت. ولتزيل عنها آثار التعب ولتكون مستعدة للقاء الأصهار وإكرامهم والقيام بواجب الضيافة تجاههم. في الساعة الثامنة تماماً قرع جرس المنزل ، فهرعت ياسمين الى الباب لتستكشف الضيوف وبالأحرى الضيف العزيز خالد ولتسترق النظر اليه من ثقب العين في الباب ، ولكنها انتظرت قليلاً حتى فتحت الباب لكي تبدي شيئاً من ثقلها المصطنع ، ولتبين عدم لهفتها المفتعلة ، ودخل الضيوف وسط هالة من الترحاب والبهجة والسرور بهم ضيوفاً من عظم الرقبة ، وتداول الأصهار الآراء حول ترتيبات الزواج وموعده ، واتفقوا بالإجماع على يوم الخميس القادم ، حيث بات يفصلهم على الموعد ثلاثة أيام فقط ، والتي لم تكن كافية للتحضير للإحتفال كما كان يطمح العريسان وأهلهما ، ولئلا يحصل ما يعيق الزفاف من نكد الإحتلال ، كما اتفق على أن يكون حفلاً عائلياً مصغراً ومختصراً على ذوي العروسين وبعض الأصحاب المقربين ، وخلال الحديث كانت الجدة تجلس في آخر الصالة وتحمل سبحتها الطويلة وتتمتم بالتسبيح والتكبير والتوحيد وتقرأ المعوذتين وآية الكرسي تحويطاً على الزفاف من إعاقة الإحتلال له ، وتحويطاً على العريسين من عين الحسد .وبعد الإتفاق استأذن والديّ خالد وعادا لمنزلهما ، وبقي خالد يكمل السهرة مع خطيبته. ولمّا عاد خالد الى بيته راجع أجندته كرئيس للجنة مقاومة الجدار العازل بقريته بلعين ، فوجد استحقاقاً لمسيرة احتجاج سلمية تقام يوم الأربعاء من أهل القرية ومن المتضامنين مع الفلسطينيين ودعاة السلام من الأجانب ، قام بتعميم موعد المسيرة وخط سيرها وفعالياتها على المشاركين والمدعوين ، وكان كعادته على العهد يتقدم المسيرة الشعبية السلمية ضد أعمال الحفر والبناء للجدار ، واصطدمت المسيرة بطوق من جيش الإحتلال يحمي العمال والآليات التي تنفذ الأعمال ، وحمل قائد قوات الجيش الذي يحمي البناء سماعة بيده ، وطالب المتظاهرين بعدم الإقتراب من الجيش ومن موقع الجدار الذي يصادر نصف أراضي القرية ، وأنذر من يقترب ويحاول تخطي السياج الذي ضربه الجيش حول موقع الجدار بأشد العقوبات ، ولكن المسيرة استمرت في تقدمها نحو موقع الجدار في أراضي القرية ، وتماست المسيرة مع منحنى طوق الجيش ، وتقدم جندي من خالد يصده عن المسير كرأس حربة للمسيرة ، ولكن خالد خاطبه بعيون حادة وساطعة بنور الحق وبشكيمة قوية ، وقال: هذه أراضينا ولن تستطيعوا منعنا منها مهما عملتم ومهما اعتليتم بالأسوار ، فسنخترقها للوصول الى أرض أجدادنا ، انني أطالب بحقوقي المغتصبة بقوة الحق والإيمان به ، وهنا رفع الجندي يده وصوبها نحو وجه خالد ، فأمسك خالد بيده وأرجعها بقوة شعر معها العسكري بضعف ساعده مقارنة بقوة ساعد خالد ، وتقدم جندي آخر من الخلف وأشهر البندقية بعد أن قلبها وصوب كعبها الى ظهر خالد يضربه بكل عزيمته ، فاستشاط خالد غضباً ، وانحنى الى الأرض من شدة الضربة ، ووقعت يده على حجر صوان ، وتناول الحجر بيده القوية ، وضرب الحجر في وجه الجندي دفاعاً عن نفسه ، فشج وجه الجندي وصار ينزف دماً ، وارتمى الجندي على الأرض مغشياً عليه من الخوف كالحبشي الذبيح ، وفي تلك اللحظات انهال سرب من الجنود ببنادقهم وبأيديهم بالضرب على خالد في كل أجزاء جسمه بدون تمييز، وبعد أن ذهب في غيبوبة ، قيدوه بالسلاسل ، وزجوه في جيب عسكري ورحلوه الى جهة مجهولة داخل الخط الأخضر ، ودارت معركة بين المتظاهرين العزل سلاحهم الصدور والحجارة ، وبين جيش العدو المدجج بكافة أسلحة مقاومة الشغب والأسلحة الهجومية الفتاكة.
حان موعد الزفاف ، وأشرقت شمس يوم الخميس المنتظر ولم تشرق شمس العريس الذي كان يقبع مقيداً في جهة غير معلومة لأهله ولأصهاره، وبعد أن أفاق خالد من غيبوبته وتعافى من جراحه النازفة ،حولوه الى المعتقل على ذمة التحقيق ، وبعد التحقيق حول الى محكمة، وتمت محاكمته وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام بثبوت تهمة إعتدائه على جندي اسرائيلي متعمِّداً قتله ، والشروع في جريمة القتل وذلك باستنادٍ الى شهادة الجنود الذين حضروا الحادثة وضربوه ، وأفاد الشهود بأنه هاجم الجندي واعتدى عليه أولاّ قاصداً قتله وضربه بحجر .ولقد تسبب له بجراح متوسطة في وجهه.
بعد صدور الحكم وتحويل خالد الى السجن لقضاء فترة عقوبته ، سمحوا لأهله وذويه بالزيارة ، وكانت ياسمين وأمها من أول الزائرين ، وفي أحد الزيارات التي كانت تقوم بها ياسمين وأمها لتزورا مجاهد وخالد ، ولدى زيارة خالد بسجن الرملة في أحد الأيام ، قال خالد لحماته وخطيبته وموجهاً حديثه لحماته ولا يستطيع النظر في وجه ياسمين : عمتي ، أريد أن أتحدث معكما حديثاً هاماً وأرجو ألاّ تسيئا فهمي ، إنني ما زلت على وفائي وإخلاصي لياسمين ، وما زلت أتمنى أن أقترن بها ، ولكن ومن منطلق حبي لها ولكم ولصديق عمري مجاهد ، وخوفي على مستقبلها ، وحرصي على سعادتها ، وإخلاصي لها ، ومن منطلق كرهي للأنانية وحب الذات ، وتفضيل حب الخير للذات على حب الخير للعام ، فإنني توصلت الى قناعة بضغطٍ من الأمر الواقع والظروف القاهرة التي لا نملك أمامها قدرة التغيير كما نريد ، توصلت الى قناعة لإعطاء ياسمين حريتها في فسخ عقد الزواج ، أقول هذا الحديث وقلبي وأحشائي يعتصران ألماً ، لماذا أربط يديْها بالقيد الذي ربط يديّ ، ما ذنبها لتنتظر خمس سنوات ولا ندري ما سيخبؤه لنا القدر غداً ، فهي فتاة تستحق الخير ، وهي أهل للسكن والمودة والرحمة ، وتلك أماني كل فتاة ، ولا أجد نفسي في ظروفي الجديدة أهلاً لتحقيق كل هذه الأماني لها ، وياسمين يتمناها كل شاب لأدبها ودينها وخلقها وعلمها وثقافتها ، يبدو يا عمتي أن زفافنا أصبح من المعجزات السبع ، وكل شيء قسمة ونصيب ولازم نرضى بالنصيب إليّ باين عليه ما حيصيب، وفي تلك اللحظة أخذت أم ياسمين تبلع ريقها وكأنها تفتش عن إجابة حائرة في نفسها لا تستطيع البوح بها ، عصف في خاطرها سوء الطالع الذي أحاط بإبنتها وخطيبها ابن الحلال الأصيل الذي أحبته كإبنها ، وكانت خائفة من إجابة على حديثه لا تروق لإبنتها ، وتلكأت تاركة لإبنتها الإدلاء بدلوها في القضية التي تخصها بالأساس، لأنها الطرف الرئيس بها ، ولم يخب ظنها ، وتدخلت ياسمين في الوقت المناسب لتعفي والدتها من نطق حكم في قضية تخص مشاعر ابنتها بالأساس ، وربما سيكون هذا الحكم جائراً يظلم أحد طرفي القضية ، ووجهت ياسمين حديثها لخالد وعينيها مصوبتين في عينيه اللتان يخرج منهما نورٌ منكسر كانكسار الضوء في الماء. ضوء الحقيقة في ماء الواقع المر ، وقالت بصوت عالٍ وكلمات واضحة لا يشوبها لبسٌ أو تردد أو ندم ، وتنم عن قوة خفية بداخلها تقهر الظروف القاهرة وحولتها الى إمرأة رقيقة حديدية. إسمع يا خالد ، إنني أراك اليوم في نظري شخصاً مغايراً لما عهدتك عندما كنت رئيساً لاتحاد الطلبة ورئيساً للجنة الشعبية لمقاومة الجدار ، رأيت فيك انكساراً لا يبرره أبداً ما أنت فيه الآن في الأسر ، أن تُحكم بالسجن خمس سنوات هذا الحكم الظالم يجعل منك شخصاً فاقداً للأمل!!؟؟ ، ومقاوماً هشاً مستسلماً للواقع ، إن كنت توصلت لهذه القناعة على قاعدة أنك لا تريدني ، ولم يعد حبي في قلبك حيا ونابضاً ، فحينها سأقول لك بدون أسف "مع السلامة" وسندفع لك ونعيد لك كل شيء خسرته وأحضرته لي من هدايا ومن مهر ونسامحك بالمؤجل ، وهذه دبلة الخطوبة سأخلعها من يدي أمامك الآن. وهنا اعترض خالد قائلاً : حاشا لله أن يكون هذا السبب ، ولكنها استمرت في حديثها دون إصغاءٍ لما يقول : وإن كان السبب كما قلت لنا وكانت حينها عيناك مصوبتان للأسفل على غيرما توقعته وعهدته منك وعلى نقيض لما في خاطرك ، وقلته لتبيان شفافيتك الزائدة عن حدها في مثالية لم تكن موفقاً في مكانها وزمانها والتي تخرج منك مموجةً وهيلامية وعاصية لمشاعرك وأحاسيسك وأصالتك ، فهذه ظروف كل الشباب في الوطن ، وأنت لم تكن استثناءً منهم ، وتأقلمنا كلنا على هذا الوضع الشاذ ، ومن شذ عن ذلك فهو في عداد الخونة والعملاء ، نحن في بلادنا نزف العريس والشهيد في آن واحد ونقيم الفرح والجنازة في حي واحد ، وننتظر الأسير المحكوم بالمؤبد متعلقين بخيوط الأمل الرفيعة لكي نعيش ، أنسيت يا خالد يوم الأحد عندما زرتنا مع والديك لتحديد موعد الزفاف ، وقلت لي على الهاتف بيت الشعر :الذي أعجبت به واتخذته منهج حياة لي تحت الإحتلال:
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشمّاء.
أثبت يا خالد وتماسك كما عهدتك ، وثق تماماً أنني ما زلت وسأظل على العهد أنتظر خروجك ، ولن تشرخ خمس سنوات من الإنتظار والفراق جدار الحب الذي ربط وما زال يربط بيننا ، فحالي وإيّاك أفضل بكثير من حال العشاق غيرنا والذين سبقونا وسيلحقوا بنا وفرقهم وسيفرقهم العدو إمّا الى الأبد بالموت وقتل الأمل باللقاء وتقطيع خيوطه أوبالتشريد والنفي والأسر المؤبد والإعاقة الدائمة. نم قرير العين يا خالد ، وكن على ثقة راسخة ومتينة متانة ورسوخ الجبال بياسمين التي لم تتغير ، وفي هذه اللحظة اغرورقت عيون أم مجاهد بدموع الفرحة بقرار ابنتها وقوتها وشجاعتها وأصالتها والذي وافق رغباتها وأملها بها، ودموع الحزن متأسية على حظها العاثر وعلى فراق ابنها وحرمانها منه. فاختلطت دموع الفرح بدموع الحزن ، وبدت صافية كصفاء ماء الوطن لكنها حارة كحرارة المعاناة تحت نار الإحتلال.
عادت ياسمين لبيتها وفي خلدها وعقلها تحدٍّ وقوة خارقة لتصارع بها ظروف الإحتلال بالإصرار وقوة العزيمة والايمان بالله والصبر على البلاء ، راضية بقدرها ونصيبها ، وغير مستسلمة لواقعها المر ، تتجرع مرارته كالمريض الذي يتجرع الدواء المر متعلقاً بالأمل وبقدرة الله على الشفاء ، وفي صبيحة اليوم التالي قرع جرس هاتف المنزل ، فإذا بوزارة التربية والتعليم على الخط يخبرونها بقرار تعينها مدرسة للغة الإنجليزية بمدرسة البنات الثانوية ، والتحقت بعملها ، وبدأت مشوار التحدي لمصاعب الحياة ، وتابعت رسالتها في تنوير الطالبات بثقافة المقاومة ، وكانت تخصص خمسة دقائق من كل حصة في شرح قضايا شعبها للطالبات ، قضية أخيها وخطيبها الأسيرين وقضايا الوطن المتشعبة وخاصة قضية الفرقة بين الإخوان ، وكانت تناقش مع الطالبات ابتكار وسائل المقاومة الناجعة التي يستطيعون تقديمها بالمسيرات والمظاهرات الهادفة ، وكانت تكتب المقالات والمواضيع والقصص التي تشرح معاناة شعبها تحت الإحتلال باللغة الإنجليزية ، وتطلب من الطالبات عمل أبحاث واستطلاعات عن قضية وطنها ، وأسست جريدة حائط للمدرسة ، واستشارت محامياً في قضية خطيبها الذي كان يدافع عن أرضه وعن نفسه من عدوان العساكر عليه ، وحصلت على صور من مراسل قناة أجنبية تثبت أن خطيبها قد اعتدي عليه أولاً من الجندي ، وتبين كيف أنه كان في حالة دفاعٍ عن النفس ، وكيف هجم عليه سرب من الجنود يضربونه بدون رحمة على كل موضع من مواضع جسده حتى ذهب في غيبوبة ، وكانت تلك القناة الأجنبية قد تلقت تعليماتٍ من حكومة بلدها المتواطئة مع اسرائيل بعدم بث الصور لإدانتها الجنود وإحراجها لحكومة اسرائيل، ورفعت ضد قائد الجيش قضية أمام المحاكم الإسرائيلية تطعن بالحكم وشهادة الشهود ، وتطلب الإستئناف وتعيد المحاكمة في ضوء إثباتات جديدة تنفي التهمة التي وجهت اليه ، وسجلت في الجامعة في الدورة المسائية للحصول على دبلومٍ في التربية وعلم النفس ، وما زالت تنتظر قرار الطعن في حكم المحكمة لتبرئة خطيبها والإفراج عنه لأتمام الزفاف الذي لن تفقد الأمل فيه.
بقلم أحمد ابراهيم الحاج
28 حزيران 2008
.................................
إنه زفاف فتاة فلسطينية حالمة الى شاب فلسطيني طامح جمعهما الحب في بوتقة الوطن وفرّق بينهما الإحتلال، والزفاف مسجّلٌ في قائمة الإنتظار على الأجندة الفلسطينية ينتظر التأكيد ، ولكنه مُسجلٌ في قائمة الإغتيال على الأجندة الإسرائيلية ينتظره الضياع ، وهذه تالياً قصته:
تنويه: هذه القصة والقصص التي سبق وأن كتبتها ونشرت ، كانت في مغزاها ولبّها وموضوعاتها قصصاً حقيقية وواقعية ، وأدخلت عليها عناصر القصة الفنية من أسماء الأبطال والحبكة القصصية والصور التمثيلية والخيالية لمواقف كانت خفية علي ونسجتها بخيالي المُستوحى من واقع المشاهدات وقصص المعاناة للمواطنين الفلسطينيين ومن التراث الفلسطيني لتلبس ثوباً أدبياً وطنياً بنكهة فلسطينية خالصة ولتوثيق المآسي الفلسطينية للأجيال القادمة لتبقى في الذاكرة الوطنية.
...........................................................................................................................
استيقظت ياسمين من نومها في أحد أيام شهر كانون الثاني في سنةٍ من سنوات الإحتلال البغيض والتي ما زالت تجثو على صدور الفلسطينيين، وكان يوماً غائماً بغيومٍ مبعثرة في السماء ، وعاقرة لا تُنبِؤ عن غيث قادم منتظر ولا تحمل في طياتها قطرات من الماء، وكان مصحوباً برياحٍ جافة وقوية وباردة جداً ، ومغبرةٍ لإثارتها النقع ، وتحمل في طياتها أوراقاً أسقطها الخريف وأوراقاً لكراريس التلاميذ بعثرها الإحتلال ، وشعرت على غير العادة بانقباضٍ لم تجد له تفسيراً إلاّ أنه كان مبنياً على قاعدةٍ من نومٍ مشوبٍ بالقلق والخوف على زفاف قد نضج واستحق القطاف ، وتأجل مراتٍ عديدة ، وما زالت عصافير الحب تنقر ثماره وتستخرج لبه وحشاه ، وأضحى كريشة في مهب الريح ، ريح الإحتلال العاتية، وكان نومها في الليلة الفائتة مصحوباً بأحلامٍ رمادية مشوشة لا تتذكر تفاصيلها جيداً ، ولكنها تتذكر أنها كانت أحلاماً مزعجة ، واعتبرتها ياسمين أضغاث أحلام وحاولت نسيانها مكابرةً ومعاكسةً لحدسها بنذر احتلالٍ لا تبشر بالخير ، لتبدأ يومها بنشاط وحيوية كعادتها في كل صباح ، متمسكةً بخيطٍ رفيعٍ من الأمل تهزه رياح الفرقة بين الإخوان وتضعف تماسكه ، ولكنها ما زالت تمسك به بأطراف أصابعها. فياسمين أنهت دراستها الجامعية في الصيف الفائت ، وتخرجت من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة بير زيت ، وكانت تنتظر حلمين قريبين من التحقيق في حكم المنطق والحساب والحق والعدل ، لكنهما بعيدين في حكم الواقع تحت الإحتلال والحصار الخانق ، الحلم الأول والصغير والذي يحتمل التحقيق قريباً هو حصولها على فرصة عمل لتساعد بها أمها التي تعمل مدرِّسة وتعيل الأسرة ، فهي حاصلة على تقدير جيد جداً في تخصص مطلوب ونادر وتنتظر الردود من الجهات التي تقدمت لها طالبة العمل بعد تخرجها مباشرة في شهر حزيران المنصرم ، وكانت ياسمين تعقد في البيت حلقات دراسية لتلاميذ حارتها لتعويض ما يفوتهم من دروس من جراء الإجتياح العسكري للقرى الآمنة ومن طوق الحصار والأحكام العرفية والتعسفية على الناس من منع التجوال والعقوبات الجماعية الى قطع الماء والكهرباء ومنع سيارات الإسعاف من إنقاذ الجرحى ومنع الصحفيين من نقل معاناة الناس ، والحلم الكبير الثاني هو زفافها الى خطيبها الذي تعرفت عليه بالجامعة وأحبته وأحبها ، وإقامة حفلٍ بهيج يدعوان اليه الأصدقاء والأقارب ، وتُفرح به أمها وجدتها لأبيها اللتان تعيشان معها في نفس البيت ، وكان أخوها واسمه مجاهد معتقلاً لدى قوات الإحتلال ويقضي فترة محكوميته متنقلاً بين السجون الإسرائيلية الكثيرة والمأهولة بالسكان في طيات الوطن ، وحرمت العائلة من الفرحة بعرسه الذي استحق ولم يسدد وقُيد على حساب ديونٍ مشكوكٍ في تحصيلها أو معدومة التحصيل نظراً لحكمه بالمؤبد ثلاث مرات.
كانت ياسمين وحدها تعلم أن خطيبها خالد والذي كان يعمل مهندس اتصالات في شركة اتصالات ويرأس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدارالعازل في قرية بلعين ، وكذلك كان يعمل ناشطاً يالمقاومة الشعبية بصفته رئيساً لاتحاد طلبة الجامعة وكان يقدم لمقاومي الإحتلال دعماً لوجستياً من موقعه بأقصى درجات السرية والكتمان، فهو من بلدة بلعين التي سطرت اسطورة من أساطير المقاومة الشعبية التي لا تعرف اليأس والقنوط ، والتي حققت إنتصاراً على أطماع الإستيطان الإحتلالية بصدورها العارية ووجوهها المكشوفة بنور الحق الثابت في الأرض ، وكانت ياسمين عضوة في اللجنة الثقافية في اتحاد طلبة الجامعة الذي كان يرأسه خالد ، وتعودا على العمل الوطني سوياً ، حيث التقيا في عرس الوفاء للوطن ، فجمعهما حب الوطن الكبير ، وانصهرت في هذه البوتقة الوطنية (جامعة بير زيت) عواطفهما في هدف واحد هو الإخلاص للوطن ، فتمازجت تلك العواطف واتحدت وأنتجت مركباً كيميائياً متماسكاً بروابط الحب وأصالة الإنتماء للوطن ولا شيء غير الوطن ، فكان حباً قد ارتكزت قواعده وأرسيت على أعمدة قوية شامخة من الأصالة والإنتماء للأرض وممتدة في أعماق الأرض ، لم تستطع ظروف الإحتلال أن تزعزع كيانه المتين. لذلك كانت قلقة على موعد الزفاف ولم تكن قلقة على مصيره وحتمية إتمامه في يومٍ من الأيام ، إن لم يكن زفافهما فسيكون زفاف أولادهما أو أحفادهما إن لم يكتب لهما النصيب ويجمعهما في بيت واحد ، لأنهما نذرا نفسيهما لهذا الحب الذي يستظل بخيمة حب الوطن، بينما كانت أمها مطمئنة لإتمام هذا الزفاف المؤجل لظروف الإحتلال القاهرة لثقتها في صهرها خالد الذي لم يوفر من جهده في سبيل مساعدة الأسرة والوقوف بجانبها بعد اعتقال ابنها مجاهد ، إضافة الى صداقته القديمة والعريقة لإبن الأسرة ، فقد كان هو ومجاهد أصدقاء الطفولة والشباب وزملاء الدراسة ، وكان خالد يعوضهم عن غياب أبنهم مجاهد وعن استشهاد زوجها عبدالرحمن (ابو مجاهد) برصاص الإحتلال الطائش على المدنيين ، فكلما حددوا موعداً لهذا الزفاف سقط شهيدٌ من أقاربها أو من أقارب خالد ، أو حدث اجتياح عسكري لبلدتهم ، وتطويق للبلدة يعزل حاراتها عن بعضها البعض ويجعل التواصل بين الناس مستحيلاً. وفي إحدى المرات جرح خالد وهو يقود مظاهرة ضد الجدار العازل قبل موعد الزفاف بليلة واحدة ، وهكذا هو حال الفلسطينين تحت الإحتلال. يعيشون ليومهم فقط ولا يستطيعون التخطيط للغد ، نظراً لتحكم الإحتلال بمقدراتهم ومفاجأآته المتكررة لهم على مدارالساعة من اجتياح واعتقال وهدم للبيوت لمجرد اشتباه لم يثبت بحقه سبب الإشتباه. لم يكن في المنزل مع ياسمين سوى جدتها لأبيها التي كانت تقترب من الثمانين عاماً ، ولكي تزيل تلك الغشاوة التي اعترت مزاجها وسببها الإنقباض النفسي ، هرعت الى المطبخ وجهزت الفطور الفلسطيني التراثي الذي تعودت عليه جدتها (الزيت والزيتون والزعتر والشاي وقطعة من الجبن البلدي) ، ونادت جدتها لتتناول الفطور ، وبعد أن تناولتا الفطور معاً أحضرت القهوة وجلست تتناول أطراف الحديث مع جدتها التي طالما كانت تقص عليها الذكريات الجميلة في بلدتهما المحتلة في قضاء حيفا وكانت تعرج في قصصها على ذكريات النكبة المؤلمة. وبينما هي تستمع لأحاديث جدتها ، قرع جرس الهاتف وهرعت ياسمين يحدوها الأمل بأن المتصل هو حبيب العمر خالد ، رفعت السماعة الى أذنها بعد الرنة الثالثة تفتعل الإصطبار ، وبادرت : ألو صباح الخير ، وعلى الفور تلاطمت موجات صوت الحبيب مع غشاء أذنها الرقيق المتحفز لسماع أجمل الألحان ، تطرق أسماعها بنفحات الشوق والحنين ، تماماً كنفحات النسيم العليل الذي يداعب نبتة الياسمين الرقيقة والتي تعبق برائحتها الطيبة أجواء الحديقة ، فيحمل النسيم رائحتها متهادياً الى البيت من أبوابه المشرعة ليطوف بها أرجاءه ليعطره بأطيب رائحة في عرفها. وبعد مبادلة للتحايا والأشواق بين الخطيبين في صفقة رابحة في سوق الحب والأصالة والوفاء ، قال لها خالد : ياسمين أنا قادم اليوم مع والدي ووالدتي لنحدد موعد الزفاف بغض النظر عن أية ظروف ، لقد أصبحت هذه الظروف جزءاً من حياتنا وتعودنا عليها ، زفاف عريس مع زفاف شهيد ، هذا قدرنا ولا بد أن نتعامل معه بواقعية ، ولا بد من أن نعيش تماما كما قال الشاعر:
سأعيش رغم الدّاء والأعداء كالنسر فوق القمة الشّماء
وعلى تبادل التحايا والأشواق بين الحبيبين ، كانت الجدة تسترق السمع مصغية وقد عادت بها الذكريات الى أيام الشباب ورسمت على وجهها إبتسامة بين ثنايا تجاعيد خدها ، وبدت ابتسامتها خافتة باهتة كضوء الشمعة التي توشك على نهاية الإحتراق ، ولكن شمعة ياسمين التي هي في بداية احتراقها كانت تضيءُ المكان عليهما. ففرحة الجدة بإبنة إبنها أضفت على ابتسامتها نوراً بدد دياجير الشيخوخة وغطى الأخاديد التي حفرها الزمان على خدها من معاناة النكبة وآلام النكسة من الأعداء ومن لواعج الفرقة بين الإخوان في الوطن الواحد. ولاحظت الجدة على حفيدتها السرور والإنبساط ، فسألتها : أكيد هذي مكالمة من خالد ، فردت عليها ياسمين نعم يا جدتي ، سيأتي الليلة مع والديه لبحث أمور الزفاف وتحديد موعده ، فقالت الجدة : يا ما انت كريم يا رب ، يا مفرج الكروب ، فرِّج كربتنا. والله نيّالكم يا بنات اليوم ، الوحدة بتحكي مع خطيبها وبتشوفو ولمّا تكتب كتابها بتطلع معاه على السينما وبتجلس معاه لوحدهم ، يا حسرة على أيامنا ، أي والله بتذكر يوم أجا ابوي من الديوان ولقاني بتصنّت على خطيبي من وراء الحيط وهو بحكي مع أخوي وشافني ، والله لا يحطك محلّي ، كتلني كتلة نصها موت ، خلاّ جنابي زرق زرق من جلد الحبل. وفي لحظات شعرت ياسمين بقرب تحقيق الأمل الكبير ، طفقت تقبل وتمازح جدتها العجوز والتي ما زالت تحتفظ بذاكرة قوية وجسد متماسك استقوى على النكبة والنكسة وعلى القهر والتشريد والشتات ، : جدتي ، جدتي ، ردت عليها جدتها : نعم يا حبيبتي ، قالت ياسمين : حدثيني عن يوم زفافك الى جدي ، فضحكت الجدة ضحكة شابها كحةٌ خفيفة تنم عن ألم مخبأٍ في الصدر ، فهي لم تنس بعد ولدها عبد الرحمن الذي استشهد قبل خمس سنوات ، ولكنها رأفت بحال حفيدتها وأرادت أن تبعث فيها الأمل ، مستنيرة بلحظات السعادة التي قضتها يوم زفافها الى جد ياسمين (ابو العبد) ، وطلبت من ياسمين أن تجهز لها الشيشة. قائلة : لا حدى حوَّش ، بدنا نفرح ونعيش ، إذا بدنا نلاحق حالنا بنظل حاطّين الحزن في الجرة ، الدنيا رايحة يا بنتي ، اليهود بدهم إيانا نظل حزنانين ، لكن رح نفرك بعينهم بصلة ونعيش مثلنا مثل غيرنا وصامدين على أرضنا ومرابطين الى يوم الدين ، أي والله لو صار إليّ حصل معانا مع شعب غيرنا إلاّ دفنوا حالهم في التراب وهم طيبين ، شغلي هالمسجل على أغاني حلوة مثل هذي إغنية "علّي الكوفيّة علّي ولولح فيها " وفرجيني كيف بدّك ترقصي لعريسك ، وإذا قدرت بعد نفس الأرجيلة رح أرقص معك. ذهبت ياسمين تدندن بالأغاني وتقفز كأنها طفلة صغيرة فرحة بالعيد ، وأحضرت الأرجيلة والمسجل. وبدأت الجدة تقص عليها يوم الزفاف : يا بنيتي ، لقد كانت أيامنا صعبة وقاسية لتفشي الفقر والجهل ، ولكننا كنا نعيش أياماً حلوة في وطننا ، فيها راحة وهداة بال، ننعم بخيرات أرضنا ومناخ وطننا الجميل متحابين متعاونين متساوين في مستوى المعيشة ، ونساعد بعضنا بعضاً ، ولا يحسد بعضنا بعضاً ونحب لغيرنا كما نحب لأنفسنا تجمعنا الأفراح والليالي الملاح وتجمعنا كذلك الأتراح ، وتقدّم الي جدك أبو العبد - هَيْ روحه طلبت الرحمة - (ألف رحمة تنزل على روحه) - يطلب ايدي ، لكن كنت أحلى بنت في القرية ، وكثر طلاب يدي من قريتنا ومن القرى الأخرى ، وِلاّ إنتي جايبه هالحلاوة من وين ، ولكنني بصراحة كنت هاوية ابو العبد ، فقد كان شجاعاً وشهماً وكريماً وكان زينة الشباب ، خاصة يوم كان يعنقر العقال ويمشي في الحارة الكل كان يهابه من الشباب، وهو من عائلة ثانية من نفس بلدنا يعني مش من عيلتنا ، ورفضه أبي في البداية ، ولكنه لم يفقد الأمل ، وكان أبوه من وجوه القرية ، ولم يترك شيخاً أو مختاراً في قريتنا والقرى المجاورة الاّ وسّطه عند أبي من أجل الموافقة ، وبضغط من أمي ومخاتير ووجوه البلد والقضاء وافق أبي على زواجي منه على مضض ، وهنا قاطعتها ياسمين قائلة : طيب ليش رفض ابوك يا ستي ، فقالت الجدة : بدك الصحيح والاّ ابن عمه ، فقالت ياسمين : طبعاً الصحيح ، فردت :لأنه كان الله يسامحه ويحسن اليه كان نسونجي يعني بحب النسوان وحاط عينه على بنت الجيران بده يجوزني بدل ، هو يجوّز بنت الجيران ويجوزني لأخوها ، وكان متجوز ثنتين وطمعان بالثالثة ، ولولا إخوتي وقفوا لأبوي وهددوه بترك البيت والتخلي عنه ، لكن بصراحة جدك ابو العبد ، الله يرحمه كان بجنن مثل عريسك خالد وكان يبطح كل الشباب ما حدى يقدر يبطحه. وكان شاطر في الدبكة ولوّيح وكمان بعرف يشبب على الشبابة والأرغول. وبصراحة لو ما أخذته ما بدري كان شو صار فيّ. فقاطعتها ياسمين مقهقهة : والله كاينة ما انت قليلة يا جدتي ، وطفقتا في ضحكة بددت غيوم القنوط واليأس وبعثت سعادة غامرة في نفسيهما ، وأضفت على المنزل الحيوية والنشاط. وقالت ياسمين : كمّلي يا جدتي.
وتابعت الجدة حديثها قائلة : وكان مهري أغلى مهر في كل المنطقة والقضا ، وكنت أول وحدة من بنات البلد طِلِع معاها غرفة نوم ، اشتراها وجابها جدك من القدس ، وكل البلد كانت تحكي فيها ، وكانت كل العرايس تطلع بصندوق وفرشات ولحف ومخدات ، إلاّ أنا طلعت بغرفة نوم وتسريحة ومراية كبيرة وطلعت مشنشلة ذهب ، حوالي خمسة وعشرين ذهبة عصملّيه مثل هذي الذهبة اليّ على صدري وقدرت أطلع فيها يوم النكبة ، والباقي أخذوه اليهود الله لا يكسبهم ويفرجينا فيهم يوم أسود إن شاء الله مثل ما سوّدوا عيشتنا. وكان عرسي من أحلى الأعراس في البلد والمنطقة كلها ، ويومها ذبحوا حوالي 30 خروف وجدي ، وجدك الله يرحمه كل ما طلعت الشمس وغابت كان يحب الفنطزية ، وهنا قاطعتها ياسمين تسأل ماهي الفنطزية ، فردت عليها جدتها بضحكة أرجعتها الى ستين عامٍ مضت : يعني الكيف والإنبساط والفرفشة يا هبلة ، فضحكت ياسمين وقالت : احكيلي كيف كان يحب الفنطزية : أسكتي يا بنيتي لا تذكريني بالأيام الحلوة واليّ ما عادت ترجع ، لكن من شانك رح أحكيلك شوية منها وقالت : اشترى الراديو أول واحد في القرية، هذا الراديو اليّ كان قد الصندوق ابو بطارية كبيرة ، وكان يوخذني على المدينة نحضر السينما في حيفا ،ويعزمني على المطاعم ، وحضرنا حفلات في يافا للحجة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ، والله ما كان يخلي فرصة للفنطزية والفرفشة الاّ ويغتنمها ، الله يرحمه بعدد الشجر والحجر والبشر. كان شايلني على كفوف الراحة ومدللني آخر دلال ، وما يخلّي بنفسي حاجة ، وأنا كنت ما أنكّد عليه أبداً ، وأبسطه ودايماً أضحك معاه ، وابتسم في البيت ، ولمّا كان يرجع من الشغل أكون منظفة البيت ومرتبته على ما يرام ومجهزة الطبيخ والحمام ، وألبس أحسن لبس ، عمره ما شافني إلاّ وأنا مرستكة ومحندقة على آخر طرز، أصحا من النوم قبل ما يصحا وأروح أزبّط حالي قبل ما يشوفني وأحضر الفطور والحمام ، مش مثل بنات اليوم الوحدة بتظل نايمة ما بتعرف متى جوزها بطلع على الشغل ، بتعرفي الواحد لمّا يقوم من النوم بكون شكله مخربط شوية. وكان ربنا موسعها عليه ويكسب فلوس مليح في هذاك الزمان ، كان أشطر دقيق حجر في المنطقة من وين مكان كانوا يسألوا عليه ويطلبوه. لكن يا بنتي أيام السعادة معدودة وما بتدوم والإنسان لازم يغتنم كل فرصة يقدر يسعد فيها نفسه لأنه ما بعرف ايش رح يصير معاه ولا ايش مخبا في الغيب. يا بنيتي ديري بالك على حالك وعلى خطيبك لأنه ابن حلال وأصيل وبستاهل والوحدة ما إلها الاّ جوزها ولا حدا بنفعها وبصونها الاّ راجلها. وختمت حديثها الجدة وقالت : أنا حكيتلك عن يوم زفافي بدّي منّك تفرجيني كيف بدّك ترقصي يوم عرسك ، أنا يوم عرسي رقصت وتجلّيت لجدّك لمّا دُخت ، بتعرفي إني رقصت وابريق الفخار على راسي ما وقع. يلله حطي أغنية وارقصي وإذا قدرت رح أرقص معك ، لأني بستنّى هاليوم اليّ أفرح فيه. ورقصت ياسمين أمام جدتها ، ولم تحتمل الجدة الصمت حيال الرقص ، فقد اشتعلت في نفسها نار الحنين والذكريات الجميلة لتكون الوقود الذي يُولِّد الطاقة التي بعثت فيها القوة والحيوية ، وقامت على ساقيها المعوجتين وبظهرها المقوّس وشاركت حفيدتها بالرقص ، وشتان ما بين الرقصتين في الشكل. رقصة التراث ورقصة العولمة. رقصة العراقة ورقصة الحداثة ، فتمازجت العراقة مع الحداثة في بوتقة الحب والوفاء والتفهّم والتفاهم يجمعهما الدم والدين والوطن ويشكل لهما مضموناً جامعاً ومؤلفاً بين النفوس، والتحم التراث مع العولمة في قالب الإنتماء للوطن الواحد ، وسرت الوطنية من جيل الى جيل لا يعتريها نزاع الإختلاف في الرأي والشكل ، ويصل بين الأجيال المتعاقبة جسور من الولاء لله وللوطن ولا شيء غير الوطن. وساد البيت جوٌ من التفاؤل والفرحة والسعادة على أمل قرب إتمام حفل الزواج المستحق ، وعادت أم ياسمين من عملها ، وألقت التحية والسلام ، واستشفت في عيون إبنتها وحماتها فرحة ظاهرة تنتظر الإنطلاق والتعبير عنها ، وقالت : يبدو أن هنالك شيئاً ما ، أو خبراً مفرحاً ، هيّا أخبراني ما خطبكما ؟ إني أرى الفرحة في عينونكما ، أراكما فرحتين وسعيدتين فوق العادة ، أشركوني معكما لكي أبدد آثار الإرهاق والتعب ، كما تعلمان فإن يوم الأحد هو يوم مناوبتي وإشرافي على الطابور الصباحي ،عدا عن الحصص الإضافية للتعويض عن غياب زميلتي في إجازة ولادة ، ولم تستطع ياسمين الصبر على كتمان الخبر ، فبادرت قائلة والفرحة والإبتسامة الغامرة مع طيف خفيف من الخجل تعلو قسماتها: سيأتينا ضيوف هذا المساء ، وردت أمها قائلة: ومن هؤلاء الضيوف المفرحين يا تُرى؟ فأجابت ياسمين على عجل : خالد ووالديه ، ويريدون بحث ترتيبات الزفاف وتحديد موعده ، فانفرجت أسارير أم مجاهد وقالت :يا حيّا الله بالضيوف ، على الرحب والسعة ، ثم أكملت دعوني أرتاح قليلاً ، فدخلت غرفتها وألقت بكراريس الطالبات على مكتبها ونالت قسطاً من الراحة بعد عناء العمل وهموم توفير احتياجات البيت. ولتزيل عنها آثار التعب ولتكون مستعدة للقاء الأصهار وإكرامهم والقيام بواجب الضيافة تجاههم. في الساعة الثامنة تماماً قرع جرس المنزل ، فهرعت ياسمين الى الباب لتستكشف الضيوف وبالأحرى الضيف العزيز خالد ولتسترق النظر اليه من ثقب العين في الباب ، ولكنها انتظرت قليلاً حتى فتحت الباب لكي تبدي شيئاً من ثقلها المصطنع ، ولتبين عدم لهفتها المفتعلة ، ودخل الضيوف وسط هالة من الترحاب والبهجة والسرور بهم ضيوفاً من عظم الرقبة ، وتداول الأصهار الآراء حول ترتيبات الزواج وموعده ، واتفقوا بالإجماع على يوم الخميس القادم ، حيث بات يفصلهم على الموعد ثلاثة أيام فقط ، والتي لم تكن كافية للتحضير للإحتفال كما كان يطمح العريسان وأهلهما ، ولئلا يحصل ما يعيق الزفاف من نكد الإحتلال ، كما اتفق على أن يكون حفلاً عائلياً مصغراً ومختصراً على ذوي العروسين وبعض الأصحاب المقربين ، وخلال الحديث كانت الجدة تجلس في آخر الصالة وتحمل سبحتها الطويلة وتتمتم بالتسبيح والتكبير والتوحيد وتقرأ المعوذتين وآية الكرسي تحويطاً على الزفاف من إعاقة الإحتلال له ، وتحويطاً على العريسين من عين الحسد .وبعد الإتفاق استأذن والديّ خالد وعادا لمنزلهما ، وبقي خالد يكمل السهرة مع خطيبته. ولمّا عاد خالد الى بيته راجع أجندته كرئيس للجنة مقاومة الجدار العازل بقريته بلعين ، فوجد استحقاقاً لمسيرة احتجاج سلمية تقام يوم الأربعاء من أهل القرية ومن المتضامنين مع الفلسطينيين ودعاة السلام من الأجانب ، قام بتعميم موعد المسيرة وخط سيرها وفعالياتها على المشاركين والمدعوين ، وكان كعادته على العهد يتقدم المسيرة الشعبية السلمية ضد أعمال الحفر والبناء للجدار ، واصطدمت المسيرة بطوق من جيش الإحتلال يحمي العمال والآليات التي تنفذ الأعمال ، وحمل قائد قوات الجيش الذي يحمي البناء سماعة بيده ، وطالب المتظاهرين بعدم الإقتراب من الجيش ومن موقع الجدار الذي يصادر نصف أراضي القرية ، وأنذر من يقترب ويحاول تخطي السياج الذي ضربه الجيش حول موقع الجدار بأشد العقوبات ، ولكن المسيرة استمرت في تقدمها نحو موقع الجدار في أراضي القرية ، وتماست المسيرة مع منحنى طوق الجيش ، وتقدم جندي من خالد يصده عن المسير كرأس حربة للمسيرة ، ولكن خالد خاطبه بعيون حادة وساطعة بنور الحق وبشكيمة قوية ، وقال: هذه أراضينا ولن تستطيعوا منعنا منها مهما عملتم ومهما اعتليتم بالأسوار ، فسنخترقها للوصول الى أرض أجدادنا ، انني أطالب بحقوقي المغتصبة بقوة الحق والإيمان به ، وهنا رفع الجندي يده وصوبها نحو وجه خالد ، فأمسك خالد بيده وأرجعها بقوة شعر معها العسكري بضعف ساعده مقارنة بقوة ساعد خالد ، وتقدم جندي آخر من الخلف وأشهر البندقية بعد أن قلبها وصوب كعبها الى ظهر خالد يضربه بكل عزيمته ، فاستشاط خالد غضباً ، وانحنى الى الأرض من شدة الضربة ، ووقعت يده على حجر صوان ، وتناول الحجر بيده القوية ، وضرب الحجر في وجه الجندي دفاعاً عن نفسه ، فشج وجه الجندي وصار ينزف دماً ، وارتمى الجندي على الأرض مغشياً عليه من الخوف كالحبشي الذبيح ، وفي تلك اللحظات انهال سرب من الجنود ببنادقهم وبأيديهم بالضرب على خالد في كل أجزاء جسمه بدون تمييز، وبعد أن ذهب في غيبوبة ، قيدوه بالسلاسل ، وزجوه في جيب عسكري ورحلوه الى جهة مجهولة داخل الخط الأخضر ، ودارت معركة بين المتظاهرين العزل سلاحهم الصدور والحجارة ، وبين جيش العدو المدجج بكافة أسلحة مقاومة الشغب والأسلحة الهجومية الفتاكة.
حان موعد الزفاف ، وأشرقت شمس يوم الخميس المنتظر ولم تشرق شمس العريس الذي كان يقبع مقيداً في جهة غير معلومة لأهله ولأصهاره، وبعد أن أفاق خالد من غيبوبته وتعافى من جراحه النازفة ،حولوه الى المعتقل على ذمة التحقيق ، وبعد التحقيق حول الى محكمة، وتمت محاكمته وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام بثبوت تهمة إعتدائه على جندي اسرائيلي متعمِّداً قتله ، والشروع في جريمة القتل وذلك باستنادٍ الى شهادة الجنود الذين حضروا الحادثة وضربوه ، وأفاد الشهود بأنه هاجم الجندي واعتدى عليه أولاّ قاصداً قتله وضربه بحجر .ولقد تسبب له بجراح متوسطة في وجهه.
بعد صدور الحكم وتحويل خالد الى السجن لقضاء فترة عقوبته ، سمحوا لأهله وذويه بالزيارة ، وكانت ياسمين وأمها من أول الزائرين ، وفي أحد الزيارات التي كانت تقوم بها ياسمين وأمها لتزورا مجاهد وخالد ، ولدى زيارة خالد بسجن الرملة في أحد الأيام ، قال خالد لحماته وخطيبته وموجهاً حديثه لحماته ولا يستطيع النظر في وجه ياسمين : عمتي ، أريد أن أتحدث معكما حديثاً هاماً وأرجو ألاّ تسيئا فهمي ، إنني ما زلت على وفائي وإخلاصي لياسمين ، وما زلت أتمنى أن أقترن بها ، ولكن ومن منطلق حبي لها ولكم ولصديق عمري مجاهد ، وخوفي على مستقبلها ، وحرصي على سعادتها ، وإخلاصي لها ، ومن منطلق كرهي للأنانية وحب الذات ، وتفضيل حب الخير للذات على حب الخير للعام ، فإنني توصلت الى قناعة بضغطٍ من الأمر الواقع والظروف القاهرة التي لا نملك أمامها قدرة التغيير كما نريد ، توصلت الى قناعة لإعطاء ياسمين حريتها في فسخ عقد الزواج ، أقول هذا الحديث وقلبي وأحشائي يعتصران ألماً ، لماذا أربط يديْها بالقيد الذي ربط يديّ ، ما ذنبها لتنتظر خمس سنوات ولا ندري ما سيخبؤه لنا القدر غداً ، فهي فتاة تستحق الخير ، وهي أهل للسكن والمودة والرحمة ، وتلك أماني كل فتاة ، ولا أجد نفسي في ظروفي الجديدة أهلاً لتحقيق كل هذه الأماني لها ، وياسمين يتمناها كل شاب لأدبها ودينها وخلقها وعلمها وثقافتها ، يبدو يا عمتي أن زفافنا أصبح من المعجزات السبع ، وكل شيء قسمة ونصيب ولازم نرضى بالنصيب إليّ باين عليه ما حيصيب، وفي تلك اللحظة أخذت أم ياسمين تبلع ريقها وكأنها تفتش عن إجابة حائرة في نفسها لا تستطيع البوح بها ، عصف في خاطرها سوء الطالع الذي أحاط بإبنتها وخطيبها ابن الحلال الأصيل الذي أحبته كإبنها ، وكانت خائفة من إجابة على حديثه لا تروق لإبنتها ، وتلكأت تاركة لإبنتها الإدلاء بدلوها في القضية التي تخصها بالأساس، لأنها الطرف الرئيس بها ، ولم يخب ظنها ، وتدخلت ياسمين في الوقت المناسب لتعفي والدتها من نطق حكم في قضية تخص مشاعر ابنتها بالأساس ، وربما سيكون هذا الحكم جائراً يظلم أحد طرفي القضية ، ووجهت ياسمين حديثها لخالد وعينيها مصوبتين في عينيه اللتان يخرج منهما نورٌ منكسر كانكسار الضوء في الماء. ضوء الحقيقة في ماء الواقع المر ، وقالت بصوت عالٍ وكلمات واضحة لا يشوبها لبسٌ أو تردد أو ندم ، وتنم عن قوة خفية بداخلها تقهر الظروف القاهرة وحولتها الى إمرأة رقيقة حديدية. إسمع يا خالد ، إنني أراك اليوم في نظري شخصاً مغايراً لما عهدتك عندما كنت رئيساً لاتحاد الطلبة ورئيساً للجنة الشعبية لمقاومة الجدار ، رأيت فيك انكساراً لا يبرره أبداً ما أنت فيه الآن في الأسر ، أن تُحكم بالسجن خمس سنوات هذا الحكم الظالم يجعل منك شخصاً فاقداً للأمل!!؟؟ ، ومقاوماً هشاً مستسلماً للواقع ، إن كنت توصلت لهذه القناعة على قاعدة أنك لا تريدني ، ولم يعد حبي في قلبك حيا ونابضاً ، فحينها سأقول لك بدون أسف "مع السلامة" وسندفع لك ونعيد لك كل شيء خسرته وأحضرته لي من هدايا ومن مهر ونسامحك بالمؤجل ، وهذه دبلة الخطوبة سأخلعها من يدي أمامك الآن. وهنا اعترض خالد قائلاً : حاشا لله أن يكون هذا السبب ، ولكنها استمرت في حديثها دون إصغاءٍ لما يقول : وإن كان السبب كما قلت لنا وكانت حينها عيناك مصوبتان للأسفل على غيرما توقعته وعهدته منك وعلى نقيض لما في خاطرك ، وقلته لتبيان شفافيتك الزائدة عن حدها في مثالية لم تكن موفقاً في مكانها وزمانها والتي تخرج منك مموجةً وهيلامية وعاصية لمشاعرك وأحاسيسك وأصالتك ، فهذه ظروف كل الشباب في الوطن ، وأنت لم تكن استثناءً منهم ، وتأقلمنا كلنا على هذا الوضع الشاذ ، ومن شذ عن ذلك فهو في عداد الخونة والعملاء ، نحن في بلادنا نزف العريس والشهيد في آن واحد ونقيم الفرح والجنازة في حي واحد ، وننتظر الأسير المحكوم بالمؤبد متعلقين بخيوط الأمل الرفيعة لكي نعيش ، أنسيت يا خالد يوم الأحد عندما زرتنا مع والديك لتحديد موعد الزفاف ، وقلت لي على الهاتف بيت الشعر :الذي أعجبت به واتخذته منهج حياة لي تحت الإحتلال:
سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشمّاء.
أثبت يا خالد وتماسك كما عهدتك ، وثق تماماً أنني ما زلت وسأظل على العهد أنتظر خروجك ، ولن تشرخ خمس سنوات من الإنتظار والفراق جدار الحب الذي ربط وما زال يربط بيننا ، فحالي وإيّاك أفضل بكثير من حال العشاق غيرنا والذين سبقونا وسيلحقوا بنا وفرقهم وسيفرقهم العدو إمّا الى الأبد بالموت وقتل الأمل باللقاء وتقطيع خيوطه أوبالتشريد والنفي والأسر المؤبد والإعاقة الدائمة. نم قرير العين يا خالد ، وكن على ثقة راسخة ومتينة متانة ورسوخ الجبال بياسمين التي لم تتغير ، وفي هذه اللحظة اغرورقت عيون أم مجاهد بدموع الفرحة بقرار ابنتها وقوتها وشجاعتها وأصالتها والذي وافق رغباتها وأملها بها، ودموع الحزن متأسية على حظها العاثر وعلى فراق ابنها وحرمانها منه. فاختلطت دموع الفرح بدموع الحزن ، وبدت صافية كصفاء ماء الوطن لكنها حارة كحرارة المعاناة تحت نار الإحتلال.
عادت ياسمين لبيتها وفي خلدها وعقلها تحدٍّ وقوة خارقة لتصارع بها ظروف الإحتلال بالإصرار وقوة العزيمة والايمان بالله والصبر على البلاء ، راضية بقدرها ونصيبها ، وغير مستسلمة لواقعها المر ، تتجرع مرارته كالمريض الذي يتجرع الدواء المر متعلقاً بالأمل وبقدرة الله على الشفاء ، وفي صبيحة اليوم التالي قرع جرس هاتف المنزل ، فإذا بوزارة التربية والتعليم على الخط يخبرونها بقرار تعينها مدرسة للغة الإنجليزية بمدرسة البنات الثانوية ، والتحقت بعملها ، وبدأت مشوار التحدي لمصاعب الحياة ، وتابعت رسالتها في تنوير الطالبات بثقافة المقاومة ، وكانت تخصص خمسة دقائق من كل حصة في شرح قضايا شعبها للطالبات ، قضية أخيها وخطيبها الأسيرين وقضايا الوطن المتشعبة وخاصة قضية الفرقة بين الإخوان ، وكانت تناقش مع الطالبات ابتكار وسائل المقاومة الناجعة التي يستطيعون تقديمها بالمسيرات والمظاهرات الهادفة ، وكانت تكتب المقالات والمواضيع والقصص التي تشرح معاناة شعبها تحت الإحتلال باللغة الإنجليزية ، وتطلب من الطالبات عمل أبحاث واستطلاعات عن قضية وطنها ، وأسست جريدة حائط للمدرسة ، واستشارت محامياً في قضية خطيبها الذي كان يدافع عن أرضه وعن نفسه من عدوان العساكر عليه ، وحصلت على صور من مراسل قناة أجنبية تثبت أن خطيبها قد اعتدي عليه أولاً من الجندي ، وتبين كيف أنه كان في حالة دفاعٍ عن النفس ، وكيف هجم عليه سرب من الجنود يضربونه بدون رحمة على كل موضع من مواضع جسده حتى ذهب في غيبوبة ، وكانت تلك القناة الأجنبية قد تلقت تعليماتٍ من حكومة بلدها المتواطئة مع اسرائيل بعدم بث الصور لإدانتها الجنود وإحراجها لحكومة اسرائيل، ورفعت ضد قائد الجيش قضية أمام المحاكم الإسرائيلية تطعن بالحكم وشهادة الشهود ، وتطلب الإستئناف وتعيد المحاكمة في ضوء إثباتات جديدة تنفي التهمة التي وجهت اليه ، وسجلت في الجامعة في الدورة المسائية للحصول على دبلومٍ في التربية وعلم النفس ، وما زالت تنتظر قرار الطعن في حكم المحكمة لتبرئة خطيبها والإفراج عنه لأتمام الزفاف الذي لن تفقد الأمل فيه.
بقلم أحمد ابراهيم الحاج
28 حزيران 2008
خيارات
Bookmarks
ما هذا ؟
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .



























