نسخة الهواتف المحمولة

  متقدم

القائمة الرئيسية

قصة قصيرة

كتب ودراسات

ثقافة



شعر


ناريمان بقلم:د.كامل خالد الشامي

تاريخ النشر : 2008-06-30
القراءة : 2488


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

ناريمان
بقلم:د.كامل خالد الشامي
أستاذ جامعي وكاتب

انتظرت طويلا على زاوية الشارع قبل أن تجد سيارة أجرة تقلها إلى الجامعة, نزلت من السيارة وأسرعت إلى قاعة المحاضرات, كانت متأخرة لبضع دقائق, قرعت الباب ودخلت إلى القاعة دون أن تنتظر أن يؤذن لها بالدخول, ألقت التحية بصوت منخفض ,ثم بحثت بسرعة كعادتها عن مكان تجلس فيه. كانت متوترة , ومشوشة ,إلا أنها استطاعت أن تأخذ مكانها بين زميلاتها دون أن تحدث ضجة تذكر.

بعد انتهاء المحاضرة تقدمت قليلا من الأستاذ واعتذرت عن التأخير,ثم انطلقت تبحث عن صديقتها مستعملة الخلوي. التقت مع ندى في إحدى حدائق الجامعة المتعددة, وجلستا تحت شجرة من أشجارالظل الكبيرة, والكثيرة المتناثرة على بساط من العشب الأخضر, المطعم بألوان مختلفة من الزهور والنباتات الحولية, وسط حركة كثيفة, ومكالمات خلوية للطالبات في كل مكان من أرجاء الحديقة.

تبادلتا الحديث عن بعض الصديقات,وعن الامتحانات النهائية والتخرج من قسم الإعلام مع نهاية الفصل الدراسي. لاحظت ندى أن ناريمان كانت مشدودة الأعصاب, فخاطبتها قائلة"أراك اليوم مشوشة ومتوترة". فأجابتها ناريمان" لم أنم طيلة الليلة الماضية", واستطردت الحديث قائلة"الوضع الذي نعيش فيه لا يبشر بخير,كل شيء يتدحرج نحو الهاوية. . . السياسة,الاقتصاد,الحصار ,الحياة اليومية, تخيلي لقد بقيت واقفة أكثر من ساعة في الشارع بانتظار سيارة,الحياة أصبحت شبة متوقفة , ولا أعرف كيف سيواصل أخي زيدون عمله في مصنع,لا توجد فيه مواد خام".

كانت ناريمان تتحدث إلى ندى بنبرة يغلب عليها الحزن والإحباط, وبعد أن سكتت قليلا, ردت عليها ندى قائلة:" عزيزتي ناريمان أنا أعرف أنك حساسة ,ولكنك ترين كل المشاكل رزمة واحدة,وهذا ما يجعلك مشوشة,عليك أن تفرقي بين القضايا العامة,والقضايا الخاصة, وأن تجزئي المشاكل حتى يمكنك حلها. لا تكوني متشائمة, فدوام الحال من المحال,أنت طموحة يا ناريمان, وتريدين أن يكون الحل الآن,وهذا أمر غير معقول في زمن يرتفع فيه جدار المعاناة ضدنا"
ناريمان: طيب يا أرسطو,كل شيء عندك له حل, أتمنى أن أكون مثلك باردة الأعصاب.. ولكن علي أن أذهب الآن إلى محاضرة الإعلام التربوي,سوف تبدأ بعد دقائق قليلة.ندى مبتسمة وتغمز بطرف عينها وتقول:تحبين الذهاب إلى هذه المحاضرة بالذات!!!!!صحيح....لديه مقدرة على الإلقاء,ويتعامل مع الجميع بحسن نية. ندى:ولكن ماذا عن مقالاته في مجلة الجامعة؟ناريمان: قرأت المقالة الأخيرة,كانت تضع الأصبع على الجرح, وهى معقولة جدا في وصف الوضع المتأزم الذي نعيشه.ندى: وماذا بعد؟ناريمان: لاشيء,وأنا ذاهبة..... إلى اللقاء, بالمناسبة سوف أكون في المساء على الماسنجر للدردشة,ندى: سوف أدردش معك إذا لم ينقطع التيار الكهربائي !!!.

استيقظت ناريمان على صوت أنين أمها التي كانت تشكو من صداع شديد,واتصلت فورا بأخيها زيدون الذي يسكن في إحدى الشقق في نفس البناية,فهرول مسرعا إلى أمه,وساعدها مع ناريمان في ركوب السيارة,ثم انطلق إلى المستشفى.

في الطريق إلى المستشفى كانت الشوارع شبة خالية من السيارات ما عدا سيارة واحدة كانت تحمل مكبرات صوت,تعلن عن استشهاد مقاتلين فلسطينيين في اشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.

في غرفة الطوارئ قام الطبيب بفحص المريضة,ولكنة اعتذر عن عدم تمكنه من تقديم العلاج بسبب عدم توفر الأدوية في المستشفى.اتصلت ناريمان بصديقتها رواء التي تعمل في مستودع للأدوية في المدينة,وأعطتها اسم الدواء المطلوب وطلبت منها أن توفره بأية طريقة كانت.

مع مرور الأيام أصبح الوضع الأمني يزداد صعوبة,بسبب الاغتيالات المتتالية من الجو والبر والبحر, وأصبحت حركة السيارات بطيئة للغاية لعدم توفر المحروقات واشتداد الحصار, وأقفلت الجامعات أبوابها لمدة أسبوعين,قبل أن تعود للعمل,وقررت ناريمان مواصلة الدراسة وعدم التوقف,فكانت تصل إلى الجامعة بصعوبة بالغة.

كان يراقبها من شباك بيته ويتمنى أن تنظر إلية لو مرة واحدة,.ولكنها كانت تتجاهله,طموحاتها كبيرة, تفكر في أمور أخرى, تريد أن تتخرج وأن تعمل,فقد بدأت تجمع عناوين وهواتف المؤسسات التي يمكن أن تعمل فيها حتى بوظيفة جزئية,كانت تعرف أن الأمور في غاية الصعوبة. أما هو فكان يرسل أمه إلى أمها ليطلب يدها,ولكن أمها كانت تعتذر قائلة: إن ابنتها ما زالت تدرس في الجامعة,تكرر هذا الطلب عدة مرات,دون أن تعرف ناريمان بذلك . ثم بدأ يرسل إلى جانب أمة خالته وعمته,وفى النهاية عرف الحي بأكمله أنه يرغب من الزواج منها,بدأت نساء الحي في توجيه اللوم والعتاب إلى أمها ,ثم إليها في أية مناسبة وفى أية فرصة.فبدأت تشعر بالمضايقة,والضغط النفسي.

بعد التخرج,وحصولها على الشهادة اتصلت بالعديد من المؤسسات وذهبت إلى العديد من المقابلات, ولم توفق,ولكنها أصرت على مواصلة المشوار.

التقت مع مدير إحدى المؤسسات غير الحكومية, وبدأ يشرح لها عن الضائقة المالية التي تمر بها هذه المؤسسات على الرغم من الانجازات الكبيرة التي تحققت في مجال العمل المدني,إلا أنها اكتشفت من خلال الحديث معه ,بأنه لا يملك شيئا يعرضه عليها,فاكتفت بما دار بينهما من حديث ثم غادرت.

نادتها أمها وأخبرتها أن الجارة سوف تحضر للحديث معها في موضوع يهمها, فعرفت تقريبا الهدف من الزيارة,لم تقل شيئا.
جلست الجارة بجانب ناريمان مبتسمة, ومتفحصة كل ما يمكن تفحصه منها, وقالت لها معاتبة: "ما له عدنان,"زلمة ولا كل الزلام",بكرة الدنيا بتعود وبرجع يشتغل,و ايد على ايد بتصفق". سكتت ناريمان ولم تقل أي شيء, فغادرت أم عدنان غاضبة دون أن تشرب الشاي.

أما ناريمان فلم تنم في تلك الليلة وخرجت إلى الحديقة, كان الليل ساكنا,والسماء صافية والقمر بدر, ونظرت إلى السماء, وبدأت تبحث عن "ذات الكرسي",و"برج العقرب",وتأملتهما كثيرا حتى بدأت تشعر بالنعاس,فتخيلت أن سلما يمتد من الأرض حتى النجمة الأخيرة في "ذات الكرسي",وصعدت وجلست بجانها ,شعرت حينها براحة شديدة وفرحة غامرة... ورأت الأرض صغيرة ومضيئة بأضواء خافتة يعمها السلام والهدوء..... وفجأة.... نادتها أمها وطلبت منها أن تعود إلى الداخل.


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. شكرا
    د. أحمد حماد ، 04-07-2008
إلى أعلى الصفحة