نسخة الهواتف المحمولة

  متقدم

القائمة الرئيسية

قصة قصيرة

كتب ودراسات

ثقافة


شعر


التّحدّي ... أبو غضب بقلم :أيمن عبد الحميد الوريدات

تاريخ النشر : 2008-05-17
القراءة : 321



nالتّحدّي... أبو غضب .n قصة بقلم : أيمن عبد الحميد الوريدات . nالأردن – الزّرقاء nnليسَ أمري بيدي ... أعلنت لائحة التّنقلات المدرسيّة ، فكان نصيبي في مدرسة الخوارزميّ ، وهي مدرسة كبيرة ترخي جدائلها على سيل الزّرقاء العريق ، الّذي لم يبقَ منه _ للأسف _ سوى عروق ماء ملوّثة جرّاء ما تتقيأه المصانع من أوساخها الّتي تترعها ، سيل الزّرقاء الّذي ما بقي في الزّرقاء كبير ولا صغير إلا وله فيه من الذّكريات ما يملأ دفترا بحجم 32 ورقة ، ذكريات أمهاتنا تتمثّل في اجتماعهنّ على أطراف السّيل يشربن الشّاي ، ويجمعن الخبّيزة الخضراء أكواما أكواما ، ولا ينسين الكلام في شؤون وزارات الدّاخليّة اللواتي يمسكن زمامهن ، وإخواننا الكبار يحفرون الأرض بأرجلهم ذهابا وإيابا لعلّ الواحد منهم يظفر بابتسامة ما ... ونحنُ نحمل( طاسة سمنة ) علبة من حديد قمنا بتخريمها لنكوّن منها شبكة نصطاد بها الأسماك الصّغيرة ، والمزارعون تتمثّل ذكرياتهم فيما كانوا يزرعونه من فجل وخسّ وبقدونس ونعناع ثم يذهبون به مساء إلى السوق الكبير ( الحسبة ) الّتي كانت أيضا على أطراف السّيل ، هكذا كان سيل الزرقاء يدبّ الحياة في المدينة ، ولكنّ يدّ الصناعة ويد التّطور القاسية امتدت إليه في غفلة منه فوجّهت إلية الضّربة القاضية ، فأصبح ملوّثًا ، وبقيت بعض شجرات الكينيا صامدة رغم ماحصل ، أخذها الكثير من الأطفال ملجأ لهم للهروب من أعين ذويهم كلما أرادوا التّدخين ، إلى درجة أنّك إن أردت أن تسأل عن واحد منهم قالوا لك : تحت الكينيا .nدخلتُ المدرسة وحصلت على جدولي الدراسيّ ، وفي اليوم التّالي دخلت الصّفوف ، وكالعادة ( اقطع رأس البس من أوّل ليله ) ( اضرب القوي بخاف الضّعيف ) بدأتُ حركة تنقلات واسعة في كلّ صف ؛ فغيّرت أماكن جلوس الكثير من الطلاب ، ولم يُبدِ أحد منهم اعتراضًا ، لاحظت أنّ المقعد الخلفيّ لا يجلس فيه أحد ، نظرت إلى الطلاب طوال القامة وأومأت إليه أن اجلس هنا ، نزل عليه طلبي كالصّاعقة، هنا يا أستاذ ؟ نعم هنا . لا يا أستاذ لا أقدر ؟ الطلاب : يا أستاذ هذا مكان مكان ، قالوا بتردد . مكان أبو غضب . فهمت من وقع الاسم على سمعي ومن تردّد الطلاب أنّ أبا غضب هذا ( بدي قارد الصّف ) هذا ما يوحي به الاسم ، أبو غضب غائب ومكانه في الحفظ والصّون ، انتهى الدوام وقفلتُ إلى بيتي ظهرا ، وتعمّدتُ ألاّ أركب لأستعيد شريط ذكريات السّيل ، مررت من نفس الأمكنة ، فتذكرت أغنية محمد عبده (( كلّ شي فيها يذكرني بشي )) هنا كان الرّاعي أبو عليّ ، وهناك كانت دار مصلّحn ( بوابير الكاز ) وفي الجهة الأخرى كانت دار أبي العبد بائع ( العنبر ) ... nوصلت بيتي وبدأتُ اسرد لشريكة حياتي ونصفي الآخر تفاصسل هذا اليوم ، ذكرت التفاصيل بكلّ مافيها وما فاتتني شاردة ولا واردة ، تماما كطفل عاد من يومه الأوّل في المدرسة ، ولكن لا أخفيكم أنّي فكرت بـ ( أبو غضب ) .nفي اليوم التّالي شرّفنا أبو غضب بحضوره ، لم أحتج كثيرا من الذكاء لأعرف أنّه هو ، يجلس في المقعد الأخير ، يُرخي ذنبة شعره على كتفيه ، يده اليمنى موشوم عليها ( أبو غضب ) يده اليُسرى موشوم عليها ( حياتي عذاب ) شنبه ولحيته يُوحيان بأنه أكبر طلاب صفّه سنًّا ، وهذا يدلك على أنّه قد رسب أكثر من مرّة ، على مقعده محفور بكلّ الألوان الّتي تخطر في بالك ( أبو وديع ، صابر وراضي ، ملك الدمار حاتم العراقي ، نحبكم والله نحبكم ... )بدأتُ التّحدث إلى ( أبو غضب ) فاجأنّي بلباقته في الكلام ، وبصوته الهادئ ، على غير ما توقّعت تماما ، واستطردتُ بالحديث الجانبيّ معه كلما أتيح لي ذلك ، والطلاب يحلّون أو يؤدّون بعض المهمات ، وقتها قررتُ أن يكون ( أبو غضب ) التّحدّي القادم في حياتي المهنيّة .nفي اليوم التالي استدعيته خارج الصفّ وبدأت أستمع إليه ، خصوصا بعدما سألته عن سبب نعاسه الملحوظ ، وعن سبب إهماله كتبه ودفاتره ، وقلت له : ما دمت تحضر ، فالأولى أن تستفيد ، أو أن تهتمّ قليلا . فاجأنّي بقوله إنّه يعمل من الثامنة مساء إلى ما قبل طلوع الفجر ، فهو يعمل في عريشة لبيع البطيخ في موسمه ، وبقية الفواكه في المواسم الأخرى ، وصدمني عندما أخبرني بوفاة والده وبأنّه معيل أهله بعد الله ، وبأن المسؤوليات الّتي على عاتقه لا يتحملها جبل ، ولكنّ أمّه تصرّ عليه أن يتعلّم ليكمل دراسته ، ويقول : طبعا يا أستاذ أنت تعرف أنّنا شعب يحبّ التعليم ، وأنا لا أستطيع إغضاب أمّي وترك المدرسة ، عند سماعي هذه الكلمات زادت رغبتي في التّحدّي ، وزاد يقيني بأنّ الحياة وخوض غمارها هي أمّ المدارس ، فبدات أظهر اهتماما بــ ( أبو غضب ) وبدأ أبو غضب يظهر لي خجلا في البداية أنّه مهتمّ ، حاولت جاهدا تغييير الصورة الّتي رسمها الكثير من المعلمين عن ( أبو غضب ) نجحت عند بعضهم وفشلت عند آخرين ، وواصلت التّحدّي فاجتاز ( أبو غضب ) الامتحانات النهائية بنجاح وانتقل إلى الصف الحادي عشر ، لكنّ الحياة وظروفها وقسوتها كانت أقوى من ( أبو غضب ) فلم يكمل تعليمه، nولكنّه أكمل مشوار الحياة بنجاح ، فهو الآن معلّم خضار وفواكه في محلّ خاصّ به ، وكلما مررت في السّوق وقف وسلّم ورحّب وقال (( إحنا أقوى من الحياة )) عبارة كنتُ أرددّها وما زلت ، وأضعها في آذان طلابي .

خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. الشمس والريح
    منصور رباع ، 18-05-2008
إلى أعلى الصفحة