نسخة الهواتف المحمولة

  متقدم

القائمة الرئيسية

قصة قصيرة

كتب ودراسات

ثقافة


شعر


جدليّة العلاقة بين الشّرق والغرب وهاجس الخوف المتبادل بقلم الدكتورة: إيمان الصّالح

تاريخ النشر : 2008-05-16
القراءة : 544



جدليّة العلاقة بين الشّرق والغرب
وهاجس الخوف المتبادل

الدكتورة إيمان الصّالح
رئيسة قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة حلب .


• تمهيد :
صلةُ الغرب بالشّرق والشّرق بالغرب لم تنقطع على مرّ العصور والأزمنة ، فمنذ أن شرع الإنسان في التنقّل والارتحال ، ورُكبِ البحر ، شرعَ في الاتّصال بغيرهِ من الأممِ والشّعوبِ والحضاراتِ الإنسانيّة . واتّصال الشّرق العربيّ بالغرب الأوروبيّ عبر ضفّتي المتوسّط ، اتّخذ أشكالاً تاريخيّةً متعدّدةً ، منها ما هو اقتصاديٌّ تجاريّ ، ومنها ما هو سياسيٌّ وعسكريّ ، ومنها ما هو إنسانيٌّ و ثقافيّ .
والباحث في تاريخ علاقة الغرب بالشّرق والشّرق بالغرب ، تطالعهُ محطّاتٍ عديدة ، من الصّراع المسلّح بين الطّرفين ، أكثر من محطّات التّفاعل الحضاريّ الخلاّق والمثمر بينهما ، الأمر الّذي حدّد نظرة كلًّ منهما للآخر متأثّراً بتاريخ النّزاع والصّراع ، أكثر من تأثّرهِ بلحظات التّفاعل والحوار الحضاريّ المُتَبادَل فيما بينهما .
فقد جرى تبادل السّيطرة وفرض السّيادة على حضارات وشعوب ودول حوض المتوسّط ، بين العرب وأوربّة ، تارة من جانب العرب وأخرى من جانب أوربّة ، بكلّ ما تعنيه السّيطرة والقوّة من معنى ، مع اختلافٍ في النّظرة والسّلوك والتّعامل لكلٍّ منهما حيال الآخر . فإذا توقّفنا أمام حقبتين تاريخيّتين من السّيطرة والتّوسّع العربي الإسلاميّ في أوربّة ، والسّيطرة والتّوسّع الأوربيّ في الوطن العربيّ ، أمكننا استخلاص النّتائج التّالية :
أوّلاً : في طور توسّع وانتشار الحضارة العربيّة الإسلاميّة في الغرب ، نجد أنَّ العرب طيلة وجودهم في الغرب عَمِلوا على نشر قيم الثّقافة ، والمعارف ، والعلوم ، والتّعايش والتّسامح بين أبناء الثّقافات المختلفة ، حتّى أنَّ كبار المؤرّخين الأوروبيّين تحدّثوا عن أثر الحضارة العربيّة في الغرب فقالوا أنَّ : " شمس العرب تستطع على الغرب " وبأنَّ " التّاريخ لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب " ...الخ . والوقائعُ التّاريخيّةُ تشيرُ إلى إنَّ العربَ المسلمينَ كانوا فاتحين لا غزاة محتلّين ، غايتُهم نشرُ قيم العدل والتّسامح ، ونُصرةِ الضّعفاء ، ونشرِ رسالة الدّين الجديد ، مع الحفاظ على المعتقداتِ والدّيانات السّماوية السّائدة ، وعدم التّعرّض لأتباعها بالأذى ، انطلاقاً من اعتراف الإسلام بها ، وعدّها ركناً أساسيّاً من أركانه .
والشّواهد الحضاريّةُ الّتي خلّفها العربُ في الغربِ كثيرةٌ ، في ميادينِ الفلسفةِ والفكرِ والأدبِ ، والعلومِ ، والعمارةِ .. الخ . وانتقال علوم وفلسفات اليونان إلى أوربّا عبر الفلاسفة والعلماء العرب المسلمين . كابن رشد ، وابن سينا ، والفارابي ، وابن خلدون وآخرين .
ثانياً : في حقبة التوسّع الاستعماري الأوربّي في العصور الوسطى والحديثة والمعاصرة ، نجد أنَّ الأوروبيّين سيّروا الحملات العسكريّة ، بدءاً بحملات الفرنجة ، فالاستعمار الأوربيّ الحديث والمعاصر ، لبسط السّيطرة والنّفوذ ، على الضّفّة الشّرقيّة لحوض المتوسّط ، وما رافق ذلك من إزهاق لأرواح مئات الآلاف والملايين من العرب والمسلمين ، ونهب الثّروة ، والنّيل من ثقافات وقيم ومعتقدات شعوب المنطقة ، وممارسة أصناف من العبوديّة والاضطّهاد بحقّها ، الأمر الّذي أدّى إلى بروز نزعات متطرّفة يشوبها الحقد والكراهية بين الشّرق والغرب ، والعرب والأوروبيّين .
من ناحية أخرى اتّخذت علاقة الغرب بالشّرق والشّرق بالغرب ، ملمحاً إيجابيّاً ، لدى بعض النّخب الفكريّة العربيّة المعاصرة ، وملمحاً متناقضاً لدى نخبٍ أخرى ، سنتوقّف عند كلٍّ منها:

• النّزعة المتطرّفة :
يرى أصحاب هذه النّزعة أنَّ الغربَ والشّرقَ عدوّان تاريخيّان ، ومن غير الممكن التقاؤُهُما وتعايُشُهُما جنباً إلى جنب في إطار علاقةٍ إنسانيّة وحضاريّة عالميّة واحدة ، فالشرقيّ ينطلقُ في موقفه العدائيّ من الغرب من عدّة حججٍ وتبريراتٍ أبرزها : الطّبيعة العدوانيّة للغرب ممثّلةً بالغزوات والحملات العسكريّة المتكرّرة ضدّ الشّرق ، منذ عصر الإمبراطوريات الأوروبيّة القديمة ـ ( الإمبراطوريتين اليونانيّة والرّومانيّة) ـ مروراً بحملات الفرنجة في العصور الوسطى ، انتهاءً بالاحتلالات الغربيّة الحديثة والمعاصرة للوطن العربيّ وللعديد من دول الشّرق ، وتبنّي المشروع الصّهيونيّ بالكامل وتقديم الدّعم العسكري والمالي والسّياسي والإعلامي له ، في احتلاله للأرض العربيّة وإشعاله المستمرِّ للحروب والمحارق وارتكاب المجازر بحقّ العرب والمسلمين ، وتهديده باستخدام القوّة في مواجهة الدّول العربيّة والإسلاميّة الرّافضة لوجوده الاحتلاليّ في المنطقة .
من ناحية أخرى لا يُنكر أصحاب هذه النّزعة تقدّم الغرب تقنيّاً وعلميّاً ، إلاَّ أنّهُم يأخذون عليه أطماعَه في الشّرق من ناحية ،وانحيازه ماديّاً ومعنويّاً ضدّ أعدائه من ناحية أخرى . ناهيك عن فساده الأخلاقيّ والاجتماعيّ ، وإساءاتِهِ المتكرّرة ضدّ الثّقافتين العربيّة والإسلاميّة والمعتقدات الرّوحيّة لأكثر من مليار وثلاثمئة مليون مسلمٍ في العالم ، فضلاً عن انتهاك حقوق الإنسان والنّيل من مبادئ العلمانيّة الغربيّة ، القائمة على الفصل الوظيفيّ بين الكنيسة والدّولة ، واحترام كلّ منهما للآخر ، في ظلّ سيادة القانون والتّشريعات المدنيّة في مختلف الحقول والمجالات .
النّقطة الأخرى : عدم جدوى الحوار السّياسيّ والثّقافيّ مع الغرب ، الأمر الّذي يجعل من اللّجوء للعنف المسلّح واستخدام القوّة أسلوباً وحيداً ، في مواجهته وحمله على تغيير مواقفه وسياساته العدائيّة تجاه العرب والمسلمين بصفة خاصّة . فالغربُ وحده هو من يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤوليّة عن حالة التخلّف والتأخّر والانحطاط الّتي يُكابدها الشّرق العربيّ والإسلاميّ في الفترة الأخيرة ، بفعل احتلاله وهيمنته العسكريّة والاقتصاديّة والسّياسيّة على معظم دوله ، ومنع أسباب نهوضه وتقدّمه العلميّ والتّقني . وهو ما يُعدُّ سبباً كافياً لحالة الخوف المشروع لدى الشّرق بعامّة والعربيّ والإسلاميّ بخاصّة ، وضرورة أخذ الحيطة والحذر من المكر الغربيّ المتواصل حيال الشّرق والعرب والمسلمين .
بالمقابل يوجد لدى الغرب تيّاراً شوفينيّاً معادياً للشّرق وللعرب والمسلمين ، فلا يرى فيهم إلاّ عدوّاً يُهدّدُ مصالِحَهُ ، ويسعى إلى تقويضِ مدنيّته ، متّخذاً من الحركات الدّينيّة والقوميّة المتشدّدة حجّة له، فالعرب والمسلمون من وجهة نظر هذا التّيّار ، ينظرون للغرب بوصفه عدوّاً تاريخيّاً ينبغي تدميرهُ ، وبسط النّفوذ والسّيطرة عليه ، وبأنَّ العنف المسلّح متمثّلاً بإرهاب الجماعات الدّينيّة ، لا يكفّ عن ضرب العديد من المصالح الغربيّة في عالم اليوم ، وبالتّالي فإنَّ الخوف من الشّرق يستدعي من الغرب ، إتّباع سياسةٍ وقائيّة وهجوميّة حازمة في ملاحقة الجماعات الإرهابيّة ، والدّول الدّاعمة لحركات المقاومة العربيّة والإسلاميّة ، بوصفها حركات إرهابيّة من وجهة نظرٍ غربيّة ، والّتي يُعدُّ الشّرقُ العربيّ والإسلاميُّ المنبع الرّئيس لها ، فيغدو شعارُ الحربِ على الإرهاب ، السّبيلَ الوحيدَ أمام الغربِ ، لتأمين سلامتهِ وسلامةِ مصالحه في العالم ، وبالتّالي فالحروب الّتي يُشعلها الغرب في الشّرق ، هي حروبٌ ضروريّةٌ ، يقتضيها منطقُ الدّفاع عن النّفس والمصالح .
• الاتّجاه التّغريبي :
يرى أصحاب هذا الاتّجاه أنَّ الغرب بما وصل إليه من تقدّمٍ ورقيّ ، في مختلف ميادين الحياة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتّقنيّة والعلميّة والثّقافيّة ، يستحقُّ الإعجابَ والتّقديرَ والاحترامَ ، ويدعونا إلى ضرورة محاكاته واستحضار تجربته في النّهوض والتقدّم والرّقيّ . فالغرب من وجهة نظر أتباع هذا الاتّجاه أنموذجٌ متقدّم للحريّة والدّيمقراطيّة ، والدّولة المدنيّة الحديثة ، وحقوق الإنسان ، فلا داعٍ للخوف منهُ ، بل ينبغي اقتفاءُ أثرهِ والتشبُّهِ به . فعقدةُ الخوفِ لدى الشّرق من الغرب ، ناجمةٌ في الأصل عن التّخلّف والجهل ، والانغلاق على الذّات ، وقطع جسور العلاقة والتّواصل معه .
أمّا الملاحظات على بعض السّلبيّات الموجودة في دول الغرب ومجتمعاته ، ينبغي ألاَّ تحملنا على إصدار أحكامٍ جائرةٍ ومسبّقةٍ تجاهَهُ ، لأنَّ حقيقةَ الضّعفِ والتخلّفِ والجهلِ والانحطاطِ الّتي يكابِدُها الشّرقُ إنّما هي من صُنع الشّرقِ نفسه . ولا يدَ للغرب في صنعها ، فالعيبُ يكمنُ في ذهنيّة الشّرق وفي موروثِهِ الثّقافيّ ، وفي المفاهيم العدائيّة الخاطئة عن الغرب ، وانتقالها من جيلٍ إلى جيل .
وعليه فالسّبيلُ الوحيدُ أمامَ الشّرقِ لتجاوزِ عقدةِ النّقصِ والخوفِ لديهِ ، يتمثّلُ في التّوجّهِ نحو حضارةِ الغربِ وعلومِهِ ، وتجاوزِ الذّاتِ بقطع كلّ علاقةٍ مع الماضي والهويّة الثّقافيّة والحضاريّة ، والسّعي للتقليد الكامل للغرب ، في قِيَمِهِ وعاداتِهِ وسلوكِهِ وطريقةِ تفكيرهِ وأسلوبِ عيشِهِ . ويُدلّلُ أصحابُ هذا الاتّجاهِ على صوابيّةِ موقفِهم من الغرب ، وللانتصارِ على عقدة الخوف منه ، بالمكانةِ الشّخصيّة الّتي يحظونَ بها في لدى الغرب ، وحفاوة التّكريم الّتي يُقابلون بها على مواقفهم التّغريبيّة المنحازة له .
بالمقابل يوجد بعض النُّخَبِ الثّقافيّةِ الغربيّةِ ، تدعو إلى أهميّة انفتاحِ الغرب على الشّرق ، وتوطيد العلاقةِ معهُ ، بوصفه منبعَ الحضاراتِ الإنسانيّةِ القديمة ، ومصدراً حيويّاً تقتاتُ الحضارة الغربيّة على ثرواتهِ الطّبيعيّة ، وسوقاً استهلاكيّةً للمنتجات والبضائع الغربيّة . ومثلُ هذه النّخب تسعى إلى تبديد الخوف من الشّرق وتُعدُّ نصيراً لشعوبه ولقضاياها العادلة ، فتتّخذ مواقفَ مناهضة للحرب ، وللمواقف الغربيّة الدّاعمة والمنحازة للكيان الصّهيوني ، وللاحتلال الأمريكيّ للعراق وأفغانستان ، وللتّهديد المستمرِّ بفرض العقوبات ، والتّلويح باستخدام القوّة ضدّ دولٍ عربيّة وإسلاميّة كسوريّة وإيران ، والمقاومة الفلسطينيّة واللّبنانيّة والعراقيّة ، ويُطلَقُ على أصحاب هذه النّخب بأصدقاء الشّرق والعرب والمسلمين .
• الاتّّجاه المعتدل:
ينظر أصحاب هذا الاتّجاه للغرب نظرةً معتدلة متوازنة ، بعيداً عن الغلوّ والتطرّف في العداء أو الانحياز له ، فالغرب ليس شرّاً محضاً ولا خيراً خالصاً ، وخوفُ الشّرق من الغربِ أمرٌّ مشروعٌ ، ولكنَّ المبالغة في هذا الخوف ينبغي التّقليل من أهميّتها ، كذلك الشّعور بالطّمأنينة نحوه يرتكز في الأساس إلى جملة المصالح والعلاقات المتبادلة معه ، لكنّ الإسراف في هذه الطّمأنينة ينطوي على نوعٍ من السّذاجة الفكريّة ،وعلى ضربٍ من اللاّمبالاة ينبغي على الشّرق الالتفات إلى المخاطر المترتّبة عليه .
فالوقائعُ تشير إلى أنَّ ثمّة علاقة سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة ، بين دول ضفّتي المتوسّط ، تُحتّمُ عليهِما المحافظة عليها وتطويرها نحو الأفضل ، إلاَّ أنَّ انحياز الغرب لمصلحة أعداء الشّرق ، أمرٌ يبعثُ على الرّيبة والتّخوّف ، خاصّة ضلوعه المتكرّر في استصدار قراراتٍ دوليّة ، جائرةٍ ضدّ العديد من دول الشّرق وشعوبه ، تحت اسم فرض العقوبات الدّوليّة ، وممارسة الحظر السّياسيّ والاقتصاديّ عليها .
وعليه فتغيير نظرة الشّرق للغرب ، وتبديد هاجس الخوف لديه ، يتطلّبُ من الغربِ تغيير سياساتهِ العدائيّة والمنحازة لأعداءِ الشّرق وللعربِ والمسلمين ، وضرورة استجابته لحوار الثّقافات ، عوضاً عن التّهديد المستمرّ باستخدامِ القوّةِ . فالقبول بلغة الحوار ، ونبذ لغة العنف والقوّةِ والتّهديد ، من شأنه جعل العلاقة بين الغرب والشّرق علاقةً متوازنةً تقوم على الاحترام المُتَبادل ، ومراعاة مصالح الطّرفين ، وإيجاد مناخات من الثّقة والطّمأنينة تبدّد مخاوف الطّرفين من بعضهما البعض .
وفي الجهة المقابلة ، يمكن الحديث عن وجود مثل هذا الاتّجاه في الغرب ، بحيثُ يتّخذُ موقفاً وسطاً في نظرته للشّرق ، فيأخذُ عليه وجود بعض الجماعات المتطرّفة والإرهابيّة لديه ، ويُسجّلُ لهُ الدّعوة والتّرحيب بالحوار الثّقافي والسّياسي والدّيني مع الغرب ، والسّير في بناء علاقاتٍ سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة متطوّرة معه . ويرى أصحاب هذا الاتّجاه بأنَّ الحوار الحضاريّ بين الشّرق والغرب ، هو السّبيل الوحيد لبثّ الطّمأنينة في نفوس الطّرفين ، وخلق الثّقة المُتبادلة بينهما .

خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .
إلى أعلى الصفحة