- الجمعة - 2008/07/04
- لإعلاناتكم
- راسلنا
- هيئة التحرير
- بحث
- اضف مقالا
- الأرشيف
- دنيا الوطن
- الرئيسية
سفر،قلق،وتفاؤل بقلم:أيمن عبد الحميد الوريدات
سفر ، قلق ، وتفاؤل .
بقلم : أيمن عبد الحميد الوريدات .
الأردن – الزّرقاء
بعد أن غيّرت أفاعيل الشّمس ملامح بشرتي ، وأنا أتنقّل راكبًا رجليَّ تارةً ، وراكبًا ( السّرفيس) تارة أخرى بين جبال عمّان حُقِّق حلم روادني كثيرا ، وما زال يراود الكثير من الشّباب ، حصلت على تأشيرة إلى إحدى السّعودية ، وما هي إلاّ أيام قليلة حتّى ركبت حافلة الغربة متوجّهًا إلى الرياض، حافلة الغربة الّتي ركبها الكثيرون دون أن يعلموا أيّن تسير بهم ، وبعد ساعتين كاملتين بدقائقهنَّ وثوانيهنّ وصلت الحافلة الّي يقودها السّوريّ ( أبو صطيف ) تذكّروا هذا الاسم ( أبو صطيف ) وصلت الحافلة الحدود الأردنيّة ، أبو صطيف السّائق الحِرك جمع الجوازات من جميع الرّكاب ، ونزل من الحافلة ونحنّ وراءه تمامًا مثل معلّم يمشي طلابه خلفه ، معظم الرّكّاب يسيرون خلف أبو صطيف ويعرفون أيّن يتوجّهون ، إلاّ أنا فأنا ( سنفور ) لا أعرف هذه الأمور ، وهذا اللفظ ( سنفور ) يطلق على الشّخص الجديد في أيّ مكان ، ففي الجامعة طالب السنة الأولى يسمّى ( سنفور ) نسبة إلى برنامج الأطفال ذائع الشّهرة السّنافر ، المهم توجّهت خلف أبو صطيف وبعد ووقفتُ في طابور لا يزيد على ميل ، وختمتُ الجواز ، ولحقت أستاذي أبو صطيف ركبنا الحافلة وانطلقت فينا إلى المرحلة الثّانية ؛ مرحلة الحدود السّعوديّة ،وفي ظرف خمس عشرة دقيقة وصلنا إلى هناك . جمع أبو صطيف الجوازات ، ونادى :(( المسافر السّنفور يلحقني والبقية يظلوا في الباص ، يا شباب ما بدنا نتأخر على شي ما بسوى ما حدا ينزل من الباص )) أنا كنت قد أخبرت أبو صطيف بأنّي جديد وقلت له بالعربي أنا سنفور ، وإلاّ لما تجرّأ وناداني بذلك .
أثناء وقوفنا على الحدود مرّ في مخيلتي ملخّص سريع جدّا لفيلم الحدود للقدير دريد لحّام ،تساءلت هل هذه الأمتار الّتي قطعناها فرّقت البلاد حقًّا ؟! وما أن هممتُ بالتّفكيربأشياء أخرى حتّى قطع صوت أبو صطيف عليّ ذلك إذ قال : (( يالله أستاز )) ، ودخلنا نقطة التّفتيش ، وكانت بداية رحلة شاقّة حيث أنزلنا ما في الحافلة من أشياء على الأرض ، وكان العرق يصبّ منّا جميعا بلا استثناء ، عرق يبلّل الأرض لكنه سرعان ما يتبخّر ، وجاء المفتّش فإذا به ليس مفتول العضلات ، ولا كثيف الشّارب ، ولا بصاحب صوتٍ خشن ، كما رسمت في مخيّلتي ، بل هو وسيم المظهر ، حادّ المزاج ، فما أن قال له المخضرم أبو صطيف : (( الشباب ما معها شي صافيه وافيه )) وإذا به يردّ : رجع إلى آخر الدّور ؛ وكأنّه يقول ارجع ساعتين إلى الخلف ، وأخذ أبو صطيف يتوسّل لكن دون جدوى ، وأخذ يبرر هذا المفتش جديد ، وأنا لا أعرف أنّ طبعه حاميًا ، وأخذنا نحدّث المفتّش ونقول له : ما ذنبنا ، وما ذنب هؤلاء الأطفال والنّساء ، واشتدّ النّقاش ، وكان ردّه : ذنبكم سافرتم مع هذا ( المشكلجي) في هذه الأثناء نزلت رحمة ربّنا علينا ، مسؤول التّفتيش رآنا نتحلّق حول موظفه فأقبل ، فبادر الموظّف ليشرح له السّبب حسب رؤيته ، لكنّ جريئا منّا كان أسرع إلى المسؤول وبيّن له ما حدث ، فما كان من المسؤول إلاّ أن رقّ لحالنا وقال لموظفه : (( اصبر يرحم أبوك ، حتّى تعمّر بالوظيفة لازمك سعة صدر )) .
وتابعنا رحلتنا نحو الرياض ّ بعد أن نزلنا في استراحة وتناولنا طعام العشاء بناء على توجيهات أستاذنا أبو صطيف ، لأنه أقسم ألاّ يقف إلاّ بعد خمس ساعات و للطوارئ ، أيقنت فيما بعد أنّ هذا القسم قسم عاديّ يقسمه كلّ السّواقون حتّى لا يصبح الركّاب يطلبون منهم النزول على كلّ صغيرة وكبيرة .
نسيت أن أخبركم أنّ شابًّا في عقده الثلاثين كان يركب إلى جانبي في حافلة الغربة ، وكان مخضرما في السّفر ، فهو من المقيميمن في السّعوديّة من فترة طويلة ، وبدأنا نتبادل أطراف الحديث ، والحافلة منطلقة تطوي الأرض طيًّا ، سالني عن عملي الذاهب إليه ، وعن المكان الّذي سأنزل فيه ، وهل سيستقبلني أحد، وبدأت التّجخلات من الكرسي الخلفيّ خصوصا عندما حاول هذا الشّاب إعطائي جرعات معنويّة عندما شعر بقلقي وبتوجّسي من أمور كنت أخشاها ، صارحته فيها ، فقلبي اطمأنّ له ،لكن التّدخلات الخلفيّة كانت في جلّها سلبيّة تثير القلق ومنها ما هو سطحي مثلمن يقول: الله يعنيك على حر هذه البلاد ، ومنها ما هو جوهريّ في الصّميم مثل لن تستطيع أن تتعامل مع الكثير من النّاس هنا في هذه البلاد ، ومنهم من قال الله يعينك على نكد المدراء وتنوّع الجنسيات ،وكنت أتساءل إذا كان الأمر هكذا فلماذا هم عائدون ؟ بعد هذه التدخلات الّتي أقلقتني عاد الشّاب الذي إلى جانبي لطمأنتي ، وقال لي : الآن لا بدّ من النوم فالطريق طويل ، والسّفر قطعة من عذاب ، حينها عبثًا حاولت النّوم فعصافيره طارت من عينيّ ، وأخذت أردّد خالدة ابن زريق البغدادي ( لا تعذليه ) ، واستمرّ ابو صطيف يقطع الفلا ويطويها بحافلته وهو يستمع إلى فيروز ويردّد معها .
وصلنا الرياض وبدأت عجلة الغربة تعمل ، وعجلة العمل تسير ، فأدركت أنّ الكثير من النّاس يحمل نظرة سوداويّة إلى الأشياء ، ولا يساعد نفسه على التخلّص منها حتّى لو ثبت له العكس ، وأيقنت أنّ
الأمل الّذي أخذته عنوانا لي هو أصل الحياة ، وعلمت حقيقة (( تفاءلوا بالخير تجدوه )) .
بقلم : أيمن عبد الحميد الوريدات .
الأردن – الزّرقاء
بعد أن غيّرت أفاعيل الشّمس ملامح بشرتي ، وأنا أتنقّل راكبًا رجليَّ تارةً ، وراكبًا ( السّرفيس) تارة أخرى بين جبال عمّان حُقِّق حلم روادني كثيرا ، وما زال يراود الكثير من الشّباب ، حصلت على تأشيرة إلى إحدى السّعودية ، وما هي إلاّ أيام قليلة حتّى ركبت حافلة الغربة متوجّهًا إلى الرياض، حافلة الغربة الّتي ركبها الكثيرون دون أن يعلموا أيّن تسير بهم ، وبعد ساعتين كاملتين بدقائقهنَّ وثوانيهنّ وصلت الحافلة الّي يقودها السّوريّ ( أبو صطيف ) تذكّروا هذا الاسم ( أبو صطيف ) وصلت الحافلة الحدود الأردنيّة ، أبو صطيف السّائق الحِرك جمع الجوازات من جميع الرّكاب ، ونزل من الحافلة ونحنّ وراءه تمامًا مثل معلّم يمشي طلابه خلفه ، معظم الرّكّاب يسيرون خلف أبو صطيف ويعرفون أيّن يتوجّهون ، إلاّ أنا فأنا ( سنفور ) لا أعرف هذه الأمور ، وهذا اللفظ ( سنفور ) يطلق على الشّخص الجديد في أيّ مكان ، ففي الجامعة طالب السنة الأولى يسمّى ( سنفور ) نسبة إلى برنامج الأطفال ذائع الشّهرة السّنافر ، المهم توجّهت خلف أبو صطيف وبعد ووقفتُ في طابور لا يزيد على ميل ، وختمتُ الجواز ، ولحقت أستاذي أبو صطيف ركبنا الحافلة وانطلقت فينا إلى المرحلة الثّانية ؛ مرحلة الحدود السّعوديّة ،وفي ظرف خمس عشرة دقيقة وصلنا إلى هناك . جمع أبو صطيف الجوازات ، ونادى :(( المسافر السّنفور يلحقني والبقية يظلوا في الباص ، يا شباب ما بدنا نتأخر على شي ما بسوى ما حدا ينزل من الباص )) أنا كنت قد أخبرت أبو صطيف بأنّي جديد وقلت له بالعربي أنا سنفور ، وإلاّ لما تجرّأ وناداني بذلك .
أثناء وقوفنا على الحدود مرّ في مخيلتي ملخّص سريع جدّا لفيلم الحدود للقدير دريد لحّام ،تساءلت هل هذه الأمتار الّتي قطعناها فرّقت البلاد حقًّا ؟! وما أن هممتُ بالتّفكيربأشياء أخرى حتّى قطع صوت أبو صطيف عليّ ذلك إذ قال : (( يالله أستاز )) ، ودخلنا نقطة التّفتيش ، وكانت بداية رحلة شاقّة حيث أنزلنا ما في الحافلة من أشياء على الأرض ، وكان العرق يصبّ منّا جميعا بلا استثناء ، عرق يبلّل الأرض لكنه سرعان ما يتبخّر ، وجاء المفتّش فإذا به ليس مفتول العضلات ، ولا كثيف الشّارب ، ولا بصاحب صوتٍ خشن ، كما رسمت في مخيّلتي ، بل هو وسيم المظهر ، حادّ المزاج ، فما أن قال له المخضرم أبو صطيف : (( الشباب ما معها شي صافيه وافيه )) وإذا به يردّ : رجع إلى آخر الدّور ؛ وكأنّه يقول ارجع ساعتين إلى الخلف ، وأخذ أبو صطيف يتوسّل لكن دون جدوى ، وأخذ يبرر هذا المفتش جديد ، وأنا لا أعرف أنّ طبعه حاميًا ، وأخذنا نحدّث المفتّش ونقول له : ما ذنبنا ، وما ذنب هؤلاء الأطفال والنّساء ، واشتدّ النّقاش ، وكان ردّه : ذنبكم سافرتم مع هذا ( المشكلجي) في هذه الأثناء نزلت رحمة ربّنا علينا ، مسؤول التّفتيش رآنا نتحلّق حول موظفه فأقبل ، فبادر الموظّف ليشرح له السّبب حسب رؤيته ، لكنّ جريئا منّا كان أسرع إلى المسؤول وبيّن له ما حدث ، فما كان من المسؤول إلاّ أن رقّ لحالنا وقال لموظفه : (( اصبر يرحم أبوك ، حتّى تعمّر بالوظيفة لازمك سعة صدر )) .
وتابعنا رحلتنا نحو الرياض ّ بعد أن نزلنا في استراحة وتناولنا طعام العشاء بناء على توجيهات أستاذنا أبو صطيف ، لأنه أقسم ألاّ يقف إلاّ بعد خمس ساعات و للطوارئ ، أيقنت فيما بعد أنّ هذا القسم قسم عاديّ يقسمه كلّ السّواقون حتّى لا يصبح الركّاب يطلبون منهم النزول على كلّ صغيرة وكبيرة .
نسيت أن أخبركم أنّ شابًّا في عقده الثلاثين كان يركب إلى جانبي في حافلة الغربة ، وكان مخضرما في السّفر ، فهو من المقيميمن في السّعوديّة من فترة طويلة ، وبدأنا نتبادل أطراف الحديث ، والحافلة منطلقة تطوي الأرض طيًّا ، سالني عن عملي الذاهب إليه ، وعن المكان الّذي سأنزل فيه ، وهل سيستقبلني أحد، وبدأت التّجخلات من الكرسي الخلفيّ خصوصا عندما حاول هذا الشّاب إعطائي جرعات معنويّة عندما شعر بقلقي وبتوجّسي من أمور كنت أخشاها ، صارحته فيها ، فقلبي اطمأنّ له ،لكن التّدخلات الخلفيّة كانت في جلّها سلبيّة تثير القلق ومنها ما هو سطحي مثلمن يقول: الله يعنيك على حر هذه البلاد ، ومنها ما هو جوهريّ في الصّميم مثل لن تستطيع أن تتعامل مع الكثير من النّاس هنا في هذه البلاد ، ومنهم من قال الله يعينك على نكد المدراء وتنوّع الجنسيات ،وكنت أتساءل إذا كان الأمر هكذا فلماذا هم عائدون ؟ بعد هذه التدخلات الّتي أقلقتني عاد الشّاب الذي إلى جانبي لطمأنتي ، وقال لي : الآن لا بدّ من النوم فالطريق طويل ، والسّفر قطعة من عذاب ، حينها عبثًا حاولت النّوم فعصافيره طارت من عينيّ ، وأخذت أردّد خالدة ابن زريق البغدادي ( لا تعذليه ) ، واستمرّ ابو صطيف يقطع الفلا ويطويها بحافلته وهو يستمع إلى فيروز ويردّد معها .
وصلنا الرياض وبدأت عجلة الغربة تعمل ، وعجلة العمل تسير ، فأدركت أنّ الكثير من النّاس يحمل نظرة سوداويّة إلى الأشياء ، ولا يساعد نفسه على التخلّص منها حتّى لو ثبت له العكس ، وأيقنت أنّ
الأمل الّذي أخذته عنوانا لي هو أصل الحياة ، وعلمت حقيقة (( تفاءلوا بالخير تجدوه )) .
خيارات
Bookmarks
ما هذا ؟
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .






























