- الجمعة - 2008/07/04
- لإعلاناتكم
- راسلنا
- هيئة التحرير
- بحث
- اضف مقالا
- الأرشيف
- دنيا الوطن
- الرئيسية
رجل عاص في الجنة..!؟بقلم:عمر قويدر
قصة بقلم : عمر قويدر
.. لم اصدق ابدا خبر وفاته ، حين تملكتني دهشة متسائلة و غمرت ملامحي موجة استغراب عارمة ، و بدا عقلي شاردا في محالة منه تكذيب ما سمعت .. ليس بسبب ان المتوفي زعيما سياسيا او مصلحا اجتماعيا او داعية سلام مشهور او اديبا مليء الدنيا شعرا و ادبا و فكرا .. بل على العكس تماما ، لان المتوفي غير هؤلاء جميعا !
.. رحت اتسائل ! امعقول ان ابا " طلال السكران " قد توفى .. فارق الحياة .. !؟
.. يا الله ..! دنيا ..!!
دنيا غداره .. ابهذه البساطة يرحل الانسان .. على حين غرة .. يخرج من عالم الاحياء ليدخل عالم السماء .. الله اكبر و لله الحمد .. كنت في غاية الاسف و الحسرة على روح ابي طلال و انا احث الخطى مسرعا الى بيته للمشاركة في تشييع جنازته ، و خيوط من الظنون تتداخل في عقلي .. ثم سرت قشعريرة ساخنة بجسدي و انا اتخيل الرجل و قد مات سكيرا و بعث سكيرا و سيعرض و سيعذب سكيرا .. ثم استدعي للوقوف اما رب العزة .. و قد تسلم لتوه كتابه بشماله فيؤمر بقراءته .. " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " فيفتحه فلا يجد فيه غير سوء ما قدم و فواحش ما عمل و ذنوب ما اقترف .. و ازددت اشفاقا عليه حين نصب الميزان و وضعت حسناته و سيئاته فرجحت كفة السيئات على الحسنات .. فجاء الامر على عجل " خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه "
.. وعدت اتسائل ، حقا صعدت روح ابي طلال الى بائها و بقي جسده رمه يتغذى عليه دود الارض .. ؟
.. ياليتك تبت الى ربك قبل ان تواجه هذا المصير .. ! لقد اتعبت الملك الذي يجلس على كتفك الايسر من جراء ما جر قلمه عليك سوءا و الملك الاخر يجلس في اجازة يتمنى ان يجر قلمه و لو بحسنة واحدة .. !
.. لقد عاش ابي طلال السكران سيء الذكر في دنياه يجلب الاذى و الضرر للناس وهم في تجنب و جفاء له و لافعاله المنكرة التي يمارسها في السر و العلن ، فاذا وقع ذكر اسمه في سمعك سيدور في مخيلتك شريطا من صور قبيحة يقترفها هذا الرجل .. ستسمع زجاجات الخمر الفارغة وهي تطرق بجدران البيوت بعد ان يفرغها في بطنه .. و صراخا يقض مضاجع النائمين في جوف الليل و كلاما بذيئا يلوث اخلاق السامعين .. ستقع عيناك على رجل ذاهب في غطيط عميق مصحوب بزفير و رغاء مقرف كريه ، ملقى على قارعة الطريق في اخر الليل كحمار ميت منتفخ .. !! و قبل كل هذا تراه يتعارك و يتضارب مع لصوص الليل و زعرانه حتى خيوط الصباح الاولى .. فينهض متثاقلا يفرك عيناه التي اخذ يطبقها الكرى و تعب السهر ..
.. هذه هي صورة ابي طلال في اذهان كل من عرفوه .. رمزا للمعاصي و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ، حتى ان البعض كان يناديه بالشيطان الرجيم ..
.. ثم رحت احدث نفسي بالمزيد عن مصير ابي طلال الذي لن يعاقب و لن يسأل عما فعل ، بل ستحمله الملائكة دون سؤال ، و تلقي به في قعر جهنم .. و كنت متأكذا حين اصل بيته ساطالع رجلا مسجيا على خشبة تنوء عن حمل هذا الرجل و ذونوبه التي نفرت في ملامح وجه المسود .. خشبة يسيل من اطرافها مياه كريهة لرجل كريه .. و كانها تحمل قذارة و اوساخ ما اقترف .. !
.. ثم تسارعت لدي الافكار و توهجت ، لترجع بي للامس حين جلست و اياه في وقت بدا لي من خلاله صفاء مزاجه و رواق تفكيره لاطرح عليه سؤالا ما برح يراودني ..
.. كان ابي طلال ذكيا يفهم ما يقع في عيون الناس قبل ان تنطق به شفاههم .. لقد صقلته الحياة و خبرته و قلبته على جميع جوانبها .. فاذكر يومها بانه نظر الى عيني ليضع يده على فمي و ينوب عني في السؤال اللحوح الذي اهم النطق به .. فيقول :
- انت ستسأل لماذا اعصي الله ؟ و لم احاول ان اكون سويا او صالحا كباقي البشر ؟ اليس كذلك ؟
فابتسم على حياء مني تعبيرا عن صدق ما اشار اليه .. ثم يبعث ضحكة خريفيه مصفرة لا تخلو من حشرجة صوتيه حزينة مستمدة من اعماقه التي عاث الخمر فيها فسادا .. !
- الشر في هذه الدنيا لا يتأتى اليك فجاة .. لا يولد الانسان شريرا و كذلك ليس ملاكا .. ثم يتبع كلامه بزفير ملتهب يستنكر فيه كل ما يدور و يجري .. ثم يستطرد :
- انها الحياة ! اشبه بما يسمونه بعروسة الليل تبدو لك جميلة و فاتنه ، كل ما فيها يضيء و يغمز لك و يغريك بالدنو اكثر فاكثر .. تجتاحك منها مسحة من سحر حين تقف قبالتها .. تتأمل بريق الفتنة فيها .. ثم تمد يديها اليك و تراودك عن نفسها .. فتركض صوبها و ما ان تهم باحتضانها .. تختفي فجاة و توليك الادبار ..
- لماذا – على حد رايك . ؟
- لا ادري و لكن اشعر بان هناك قوى باطنية ، خفية لحوحة تدفع بني البشر فعل الخير و قوى اخرى توسوس بنفسه و تحاول جاهدة ان تزلقه في مهاوي الشر .. ! يرفع الانسان يده ظلما فيبطش بها اخيه الانسان في غمرة من عاصفة دموية هائجة طافقة تنطلق من داخله الضعيف .. ثم يرجع بعدها ملوما محسورا و الى به مستغفرا .. يا رب يا رب !!
- بعض الناس تنتابهم موجة من ملل ، و سخط قائظ يلسع بارواحهم .. فتراهم فجاة يحملون احزانهم و همومهم و تقودهم اقدامهم في عتمة الليل الى زقاق بعيد دقت بجبهته غرفة قميئة ، تختبيء في احد الازقة .. تقوم على ادارتها داعرة ، فتسلب منهم شبابهم و همتهم و تعفر ارواحهم بمزيد من الاحباط و الخوف بعد ان اعتقدوا بانهم سيخلعون عندها ثوب الضنك و يقذفون فيها مخلفاتهم و نزعاتهم و شهواتهم كي يستريحوا .. فيخرجوا من عندها و قد غدوا كلابا قبيحة ملوثة نجسه تواري سوءة ما فعلت حتى عن انفسها الامارة بالسوء .. بعد ان كانوا اناسا ذو قيمة و وقار .. ثم يجتاحهم الندم و البكاء فيركعوا لربهم بعد معركة ساخنة بينهم و بين ضمائرهم التي طلوها بالدنس و عطلوا اوامرها و نواهيها الانسانية التي لم
تخلق الا لرقيهم و سعادتهم .. !
- نقائض .. افعال الناس يملئها التناقض .. يصنعنون لانفسهم الها في اول النهار ثم اذا عضهم ناب الجوع التهموه في اخر النهار !!
- تنام مع زوجك في فراش واحد و تجمعكما سنين طويلة من العشرة و الاولاد .. و في نهاية العمر تسحب عنها لثام الثقة و تطعن في شرفها و تطلقها .. !
- يقف مديرك على راسك فتبذل قصارى جهدك و عطاءك و اخلاصك .. و تبدي حرصا شديدا على مصلحته .. و لكن اذا لوى عنقه و غض طرفه عنك مزقت امانته كما تمزق ورقة و تلقها في صفيحة القمامة .. ثم تدخل مع زملائك المنافقون الاخرون في ثرثرة فكاهية فارغة حتى تعلن ساعات العمل رحيلها فتغلق باب مكتبك بعد ان تضع على بابه مسبة قذرة لصاحبه ..
.. لا ازال استذكر ابي طلال و هو يسهب في طرحه للامور بشكل مستنكر ، كفيلسوف ساخر ، و يعتريني انبساط دفين يسري بجسدي وانا ارقب حركات يديه في التعبير و راسه التي تميل مع كل كلمة تنزلق من فمه و عينيه التي تجحظان في كل حالة تسائل و نفي و تثبيت .. رغم كؤوس الخمر التي اذبلتهما و لفافات التبغ و الحشيش التي الهبتهما .. !
و اتذكر كيف يلكزني من كتفي بشدة كي اسلط انظاري على مشهد طفل صغير يتبدل بين الحافلات و قد ترك مقعده الدراسي و دفيء ماواه و حضن ابويه و اصبح شريدا يستعطف المارة في بيعهم شيئا مما يحمله .. و يتسائل بحدة ؟ ما ذنب هذا الطفل في الحرمان من كل هذا ..؟
و يلكزني مرة اخرى الى التأمل حين يتسائل : اين الرحمة في قلوب الناس ؟ بلاش ..
- انظر تلك الارملة المحنيه بقامتها اسفل بسطات الخضر و الفواكهه تلتقط الفاسد منها لتطعم اطفال لها جائعون ..
- انظر الى هؤلاء الذين يمرون و هم يحملقون الى اللحوم المعروضة في الفترينات و يقفون قبالتها كقطط جائعة ، ثم يجمعون ما فاض لدى اللحام اخر النهار من عظام ليطهوا على مرقها طعامهم ..
ثم تند عن اسنانه المصفرة ضحكة مستنكرة خبيثة تتبعها قرقرة مبحوحة الرنة : هل تدري ان القطط و الكلاب المدللة تاخذ حقها في العيش اكثر من البشر و خاصة في بيوت الاغنياء .. فلهم طبيب خاص يكشف عليهم و يستحمون بشامبو خاص و يقدم لهم كل انواع الطعام .. و ينامون على فراش وثير معطر .. هناك كلب يفوق ثمنه عن ثمن بقرة حلوب .. ! يتمرغ في النعمة و ينام مع ست البيت في فراش واحد .. و لا تستطيع ان تستغني عنه ليلة واحدة .. !؟ تبيع زوجها و لا تبيعه .. !!! انظر الاطفال في بلادنا بالكاد يستطيع ابائهم ان يوفروا لهم علبة من حليب قليل الدسم ، و قد يشرف الطفل على الموت احيانا قبل ان يقرر عرضه على الطبيب .. لماذا ..؟ لقلة ما في اليد .. ثم في النهاية يشبو الطفل محروما .. كسير الخاطر .. معلولا ، يحمل نفسا معقدة مخربشة تئن بهموم العيش و احزان الحاجة .. ! و قد يتحول الى مجرم او قاطع طريق .. او سكير مثلي .. احتسبها كما تشاء !!
- المحبة جفت من قلوب الناس كما تجف المياه في مجرى النهر .. الجميع يركض و بصره مصوب الى الامام و لا وقت للالتفات ، لانه يخشى الفقر .. يخشى اذا وقع تدوسه اقدام من تزاحموا خلفه .. البعض لا يحرك ساكنا و النعمة تجري بين يديه كزخ المطر .. و البعض يقضي حياته يلهث و يركض و لا يتوقف الا حين يتوقف قلبه عن النبض .. دون ان يصل ..!
.. حقا كل من يستمع لهذا الرجل يشعر بانه اشبه بفيلسوف .. و لكن ؟ ثم استذكر مزيدا من حديث ابي طلال بالامس حين يسهب قائلا :
- قد يبدو كلامي سخيفا و مكررا و يحمل صورا مللنا النظر اليها و نحن نعيش هذه الحياة .. و لكن الشعور بالحرمان و الم النفس شيء عظيم .. عظيم .. !! انني اشفق على هؤلاء الناس الذين يخرجون من بيوتهم و النجمة في السما .. و لا يعودون الا ليلا ، و هم منهكون مطحونون يجرون جسدا زاخرا بالتعب و الشكوى و يطرحون اجسامهم المكدودة على حشية منامهم كميتون .. جواميس تدور من الصباح حتى المساء .. و هي تجتر القهر و الرتابة و الجوع .. يجمعون قروشا معدودة لا تشد اودهم و لا تخرس اجراس شقائهم و عيشهم المنكد ..
و ينتابني مزيدا من الدهشة حين يستل ابي طلال من جيبه صحيفة - و اهمس في ذاتي - سكير و مثقف و فيلسوف .. ! و يدفع الي بالصحيفة : ها ..تفضل اقرأ : سترى العجب العجاب .. ستقرأ ما يغضبك و يهتك هدوئك و رواقك و قد يبكيك ..
- يا ابي طلال ، هذه الشوائب و السلبيات التي تطرحها و تستنكرها كثيرا .. هي سلبيات و ترسبات و سلوكيات تجتاج الكثير من المجتمعات .. ! الحياة مليئة بالتناقضات .. فلولا الفقر ما انكشف الغنى .. و لولا المرض ما انجلى ترياق الشفاء ، و لولا جملة الاثام و المعاصي التي يجترحها الانسان في الليل و النهار ما رجع عن جادة الصواب و ذاق طعم الهداية .. فالشيء لا يعرف بغير الشيء .. ثم ان الخير و الشر توأمان و سيظلا يتقاتلان الى ان تقوم الساعة .. و حتما سينتصر الخير في النهاية ..
و الكون يجرى بمشيئة الله .. و هذه الدنيا دار ابتلاء و امتحان .. و الاخرة هي دار الجزاء .. و لاراد لقضاء الله و مشيئته ..
فقط ! على الانسان ان يبدأ بنفسه و ينساق الى عمل الخير بكل تلقائية و يبتعد عن دواعي الشر ..
و كأن كلماتي تبعثرث في جانب قصي من عقل ابي طلال ، و لم يكترث لها كثيرا حين اصر علي ان اطالع بعضا من العناوين التي توضعت في الصحيفة .. ثم بدأت انقل بصري سريعا بين العناوين التي اشار بها علي ..
- اب لتسعة افواه يعثر عليه مشنوقا في غرفته ..
- فتاة عضها ناب الجوع فسقط عنها لثام الحياء حين وقعت باخطبوط الليل تساله العمل بجسدها ..
- متسولا يحاول التقاط تفاحة تدحرجت على بساط الشارع فالتهمته سيارة مسرعة ..
- ام لاربعة اطفال تعمل موظفة باحدى الشركات .. راودها المدير عن نفسها فاستعصمت ..! و حين هددها بالفصل مسحت دموعها و عادت .. !!
- احد المشافي الخاصة تمتنع عن اسعاف عامل بترت شفرة المكن ساعده قبل ايداع تأمين نقدي .. فقد دما كثيرا ، ثم مات ..!
.. فجاة تعلو ضحكته المنكرة الساخرة حين هممت بقراءة العنوان التالي :
- طبيب يعمل في القطاع الصحي العام يستأصل المرارة لاحد المرضى بدلا من الزائدة الدودية ..
ثم يستدرك ابي طلال .. اكيد هذا المريض غير مهم .. فقير من عباد الله .. لا يحمل بطاقة توصية ..
على اية حال استئصال المرارة قد يجلب له الراحة و الهدوء اكثر من الزائدة !! كان الله في عون هذه المرارة من عيش كله مرارة ..
.. يا ابي طلال .. يا محترم ! يبدو انك لا ترى الدنيا الا من خلال نظارة سوداء لا تريك غير الجانب المظلم منها .. يا راجل " كن جميلا ترى الوجود جميلا " و الحياة تسير على هذه الشاكله منذ ان خلق الله الارض و من عليها .. !!
.. فقر و غنى ، مرض و شفاء ، شقاء و سعادة ، افراح و احزان ، موت و ولادة .. فالحياة مرة لك و مرة عليك ..
.. المؤمن العاقل هو الذي يصبر و يشكر و لا يسيء الظن بالله ..
.. بعد نقاش طويل طفرت دمعة حزينة من عيني ابي طلال السكران وغطت الكآبة محياه و بدأ يقنع بان اية محاولة للاصلاح تبدأ من ذات صاحبها ، برغم كل العوائق التي قد تحول او تعرقل نجاح الوصول للهدف .. !
* * *
حقا لي ان ادهش لوفاة ابي طلال فالحديث الذي دار بيننا بالامس ما زال رطبا في ذهني و لا يزال صوته يطرقع في وجداني ..
.. دنوت من جسد ابي طلال و هو مسجي على طاولة الغسل .. و راعني بخار الماء المتضوع وقد امتزج برائحة غريبة تدنو من المسك و العنبر .. لم يشتم انفي مثلها من قبل .. ! و حين القيت نظرة الوداع الاخيرة على وجه المتوفى رغبة مني في تأكيد سوء الخاتمة لكل من عصى و تجبر .. طالعني وجها طفوليا ينام في وقار و كبرياء ، يند عن ابتسامة هادئة مستقرة تنبعث منه خيوط نورانية تغمر الروح بالرضى .. و لازال احملق .. و في جسدي رعدة صاخبة و لسان ما فتأ يستغفر الله و يطلب الرحمة .. لهول ما ارى ، و امتد بي الحال كذلك حين رفعنا النعش على اكتافنا ، كيف بدا خفيفا يسابق خطواتنا و كأن له جناحان يطيران به .
.. لقد مات ابي طلال فجاة .. و ها هو قد رحل ، و وري جثمانه الثرى .. قال احدهم لقد اراح و استراح .. !
.. لقد رأيت اليوم من ابي طلال امرا عجبا .. لقد كان في غاية العصيان لله و الاذى للناس .. و انى تكون له هذه الخاتمة الجميلة .. ؟ هذه الخاتمة لا تصلح الا لرجل قضى حياته في اعمال البر و التقوى .. و لا تليق باي حال من الاحوال ان تكون لرجل امثال ابي طلال ؟؟؟ و احتشدت الظنون و طفقت التساؤلات تخصف بي .. و حين جن الليل و تهيأت للرقاد – و الذي كان مستحيلا في اوله – وجدتني احمل راسا كخلية نحل معبأة بالتساؤلات و الظنون .. و في ساعات الليل الاخيرة جاءني الجواب بسيطا و انا اغط في سراديب عميقة من الرؤى الجلية في اقاصي الحلم .. !
.. نظرت ابي طلال في مجلس انيس و قد بدا جميل الصورة ، بهي الطلعة ، عليه اسمال خضر من حرير يضوع منها العطر .. يتسابقن في خدمته حور حسان يلقمونه شهي الطعام و يسقينه عذب الشراب .. يسعون عليه و لا يتمنون غير رضاه .. و حين راني تهللت اساريره ، و شرع يلوح لي بيده ، و لا يفصلني عنه غير جدول رقرق .. تمتد على جنباه خضرة يانعة .. ساحرة ، ثم راح يبشرني خيرا ، و لا سيما و انني تكلفت بجميع نفقات دفنه .. و اقمت له مأتما .. و مر موكب من رجال شداد غلاظ يجرون رجلا لا يفتأون التوقف عن ضربه بمقامع من حديد ثم يلقونه في حفرة مشتعلة يخرج منها حيات و عقارب ، منفرة .. فارتد بصري عن تلك المشاهد المفزعة و هممت بالهروب و لكن ابي طلال استقفني و همس لي :
.. الم تعرفه .. ؟ انه فلان ، كان في الدنيا وجيها و غنيا ، مات بالامس و اجتمعت على جنازته الخلائق ، يرمونه باكاليل الورد و يرشونه بالعطور و قد ذرفوا عليه اهله و مريدونه دموعا تزيد عن فصل شتاء كامل .. و لكن هل نظرت مصيره ؟
.. صحوت من منامي مذعورا .. و لم يتسنى لي استجواب ابي طلال عن سر مقامه السعيد ؟
كل ما علمته و حين تركني ابي طلال في ذاك اليوم و انطلق .. كان الدمع يغطي وجهه و نية صادقة على التوبة تجول في اعماق خاطره .. يومها تاب الى الله ، و ركض مسرعا ليقف على بابه ضعيفا مستكينا طلبا للمغفرة و الرحمة ، حتى نظر جنازة عابرة لاحد الاغنياء .. و حين هم بالمشاركة .. زجره كل من كان يتحلق النعش .. زجروه و عزروه و دفعوا به بعيدا خشية ان يدنس بحضوره مقام المتوفى ، و قال احد المشيعون : لم يعد في الدنيا رجال تحمل بالنعش .. حتى يحمل به رجلا عاص و سكير مثلك .. ؟!
.. كان الالم يعتصر قلبه و الحسرة تزمجر كالسنة اللهب في حناياه و الدمع يسح حزينا من عيناه .. قالت عجوز كانت تجاوره السكن .. لقد رجع في تلك الليلة الى بيته – على غير عادته - و جلس امام نفسه يحاسبها و يعاتبها و يؤنبها ، و يتعهد الله ان يخلع كل عاداته و يسوى من سلوكه و يعدل من طباعه .. ثم قام فاستحم و توضأ و اشهد الله على توبته و طلب منه العفو و الغفران .. ثم استقبل القبلة على نية الصلاة .. لقد غدت روحه كفراشة جميلة تحررت من شرنقتها .. ترفرف في فضاء الخير و السكينة .. في تلك الليلة دعى ابي طلال ربه كثيرا و تضرع اليه و شكى ضعفه و نفسه الامارة بالسوء و رجاه ان يباعد عنه وسوسة الشيطان .. لقد بات ليلته تلك يبكي و يصلي حتى وجدناه مغشيا عليه على سجادة الصلاة .. !!
.. لم اصدق ابدا خبر وفاته ، حين تملكتني دهشة متسائلة و غمرت ملامحي موجة استغراب عارمة ، و بدا عقلي شاردا في محالة منه تكذيب ما سمعت .. ليس بسبب ان المتوفي زعيما سياسيا او مصلحا اجتماعيا او داعية سلام مشهور او اديبا مليء الدنيا شعرا و ادبا و فكرا .. بل على العكس تماما ، لان المتوفي غير هؤلاء جميعا !
.. رحت اتسائل ! امعقول ان ابا " طلال السكران " قد توفى .. فارق الحياة .. !؟
.. يا الله ..! دنيا ..!!
دنيا غداره .. ابهذه البساطة يرحل الانسان .. على حين غرة .. يخرج من عالم الاحياء ليدخل عالم السماء .. الله اكبر و لله الحمد .. كنت في غاية الاسف و الحسرة على روح ابي طلال و انا احث الخطى مسرعا الى بيته للمشاركة في تشييع جنازته ، و خيوط من الظنون تتداخل في عقلي .. ثم سرت قشعريرة ساخنة بجسدي و انا اتخيل الرجل و قد مات سكيرا و بعث سكيرا و سيعرض و سيعذب سكيرا .. ثم استدعي للوقوف اما رب العزة .. و قد تسلم لتوه كتابه بشماله فيؤمر بقراءته .. " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " فيفتحه فلا يجد فيه غير سوء ما قدم و فواحش ما عمل و ذنوب ما اقترف .. و ازددت اشفاقا عليه حين نصب الميزان و وضعت حسناته و سيئاته فرجحت كفة السيئات على الحسنات .. فجاء الامر على عجل " خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه "
.. وعدت اتسائل ، حقا صعدت روح ابي طلال الى بائها و بقي جسده رمه يتغذى عليه دود الارض .. ؟
.. ياليتك تبت الى ربك قبل ان تواجه هذا المصير .. ! لقد اتعبت الملك الذي يجلس على كتفك الايسر من جراء ما جر قلمه عليك سوءا و الملك الاخر يجلس في اجازة يتمنى ان يجر قلمه و لو بحسنة واحدة .. !
.. لقد عاش ابي طلال السكران سيء الذكر في دنياه يجلب الاذى و الضرر للناس وهم في تجنب و جفاء له و لافعاله المنكرة التي يمارسها في السر و العلن ، فاذا وقع ذكر اسمه في سمعك سيدور في مخيلتك شريطا من صور قبيحة يقترفها هذا الرجل .. ستسمع زجاجات الخمر الفارغة وهي تطرق بجدران البيوت بعد ان يفرغها في بطنه .. و صراخا يقض مضاجع النائمين في جوف الليل و كلاما بذيئا يلوث اخلاق السامعين .. ستقع عيناك على رجل ذاهب في غطيط عميق مصحوب بزفير و رغاء مقرف كريه ، ملقى على قارعة الطريق في اخر الليل كحمار ميت منتفخ .. !! و قبل كل هذا تراه يتعارك و يتضارب مع لصوص الليل و زعرانه حتى خيوط الصباح الاولى .. فينهض متثاقلا يفرك عيناه التي اخذ يطبقها الكرى و تعب السهر ..
.. هذه هي صورة ابي طلال في اذهان كل من عرفوه .. رمزا للمعاصي و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ، حتى ان البعض كان يناديه بالشيطان الرجيم ..
.. ثم رحت احدث نفسي بالمزيد عن مصير ابي طلال الذي لن يعاقب و لن يسأل عما فعل ، بل ستحمله الملائكة دون سؤال ، و تلقي به في قعر جهنم .. و كنت متأكذا حين اصل بيته ساطالع رجلا مسجيا على خشبة تنوء عن حمل هذا الرجل و ذونوبه التي نفرت في ملامح وجه المسود .. خشبة يسيل من اطرافها مياه كريهة لرجل كريه .. و كانها تحمل قذارة و اوساخ ما اقترف .. !
.. ثم تسارعت لدي الافكار و توهجت ، لترجع بي للامس حين جلست و اياه في وقت بدا لي من خلاله صفاء مزاجه و رواق تفكيره لاطرح عليه سؤالا ما برح يراودني ..
.. كان ابي طلال ذكيا يفهم ما يقع في عيون الناس قبل ان تنطق به شفاههم .. لقد صقلته الحياة و خبرته و قلبته على جميع جوانبها .. فاذكر يومها بانه نظر الى عيني ليضع يده على فمي و ينوب عني في السؤال اللحوح الذي اهم النطق به .. فيقول :
- انت ستسأل لماذا اعصي الله ؟ و لم احاول ان اكون سويا او صالحا كباقي البشر ؟ اليس كذلك ؟
فابتسم على حياء مني تعبيرا عن صدق ما اشار اليه .. ثم يبعث ضحكة خريفيه مصفرة لا تخلو من حشرجة صوتيه حزينة مستمدة من اعماقه التي عاث الخمر فيها فسادا .. !
- الشر في هذه الدنيا لا يتأتى اليك فجاة .. لا يولد الانسان شريرا و كذلك ليس ملاكا .. ثم يتبع كلامه بزفير ملتهب يستنكر فيه كل ما يدور و يجري .. ثم يستطرد :
- انها الحياة ! اشبه بما يسمونه بعروسة الليل تبدو لك جميلة و فاتنه ، كل ما فيها يضيء و يغمز لك و يغريك بالدنو اكثر فاكثر .. تجتاحك منها مسحة من سحر حين تقف قبالتها .. تتأمل بريق الفتنة فيها .. ثم تمد يديها اليك و تراودك عن نفسها .. فتركض صوبها و ما ان تهم باحتضانها .. تختفي فجاة و توليك الادبار ..
- لماذا – على حد رايك . ؟
- لا ادري و لكن اشعر بان هناك قوى باطنية ، خفية لحوحة تدفع بني البشر فعل الخير و قوى اخرى توسوس بنفسه و تحاول جاهدة ان تزلقه في مهاوي الشر .. ! يرفع الانسان يده ظلما فيبطش بها اخيه الانسان في غمرة من عاصفة دموية هائجة طافقة تنطلق من داخله الضعيف .. ثم يرجع بعدها ملوما محسورا و الى به مستغفرا .. يا رب يا رب !!
- بعض الناس تنتابهم موجة من ملل ، و سخط قائظ يلسع بارواحهم .. فتراهم فجاة يحملون احزانهم و همومهم و تقودهم اقدامهم في عتمة الليل الى زقاق بعيد دقت بجبهته غرفة قميئة ، تختبيء في احد الازقة .. تقوم على ادارتها داعرة ، فتسلب منهم شبابهم و همتهم و تعفر ارواحهم بمزيد من الاحباط و الخوف بعد ان اعتقدوا بانهم سيخلعون عندها ثوب الضنك و يقذفون فيها مخلفاتهم و نزعاتهم و شهواتهم كي يستريحوا .. فيخرجوا من عندها و قد غدوا كلابا قبيحة ملوثة نجسه تواري سوءة ما فعلت حتى عن انفسها الامارة بالسوء .. بعد ان كانوا اناسا ذو قيمة و وقار .. ثم يجتاحهم الندم و البكاء فيركعوا لربهم بعد معركة ساخنة بينهم و بين ضمائرهم التي طلوها بالدنس و عطلوا اوامرها و نواهيها الانسانية التي لم
تخلق الا لرقيهم و سعادتهم .. !
- نقائض .. افعال الناس يملئها التناقض .. يصنعنون لانفسهم الها في اول النهار ثم اذا عضهم ناب الجوع التهموه في اخر النهار !!
- تنام مع زوجك في فراش واحد و تجمعكما سنين طويلة من العشرة و الاولاد .. و في نهاية العمر تسحب عنها لثام الثقة و تطعن في شرفها و تطلقها .. !
- يقف مديرك على راسك فتبذل قصارى جهدك و عطاءك و اخلاصك .. و تبدي حرصا شديدا على مصلحته .. و لكن اذا لوى عنقه و غض طرفه عنك مزقت امانته كما تمزق ورقة و تلقها في صفيحة القمامة .. ثم تدخل مع زملائك المنافقون الاخرون في ثرثرة فكاهية فارغة حتى تعلن ساعات العمل رحيلها فتغلق باب مكتبك بعد ان تضع على بابه مسبة قذرة لصاحبه ..
.. لا ازال استذكر ابي طلال و هو يسهب في طرحه للامور بشكل مستنكر ، كفيلسوف ساخر ، و يعتريني انبساط دفين يسري بجسدي وانا ارقب حركات يديه في التعبير و راسه التي تميل مع كل كلمة تنزلق من فمه و عينيه التي تجحظان في كل حالة تسائل و نفي و تثبيت .. رغم كؤوس الخمر التي اذبلتهما و لفافات التبغ و الحشيش التي الهبتهما .. !
و اتذكر كيف يلكزني من كتفي بشدة كي اسلط انظاري على مشهد طفل صغير يتبدل بين الحافلات و قد ترك مقعده الدراسي و دفيء ماواه و حضن ابويه و اصبح شريدا يستعطف المارة في بيعهم شيئا مما يحمله .. و يتسائل بحدة ؟ ما ذنب هذا الطفل في الحرمان من كل هذا ..؟
و يلكزني مرة اخرى الى التأمل حين يتسائل : اين الرحمة في قلوب الناس ؟ بلاش ..
- انظر تلك الارملة المحنيه بقامتها اسفل بسطات الخضر و الفواكهه تلتقط الفاسد منها لتطعم اطفال لها جائعون ..
- انظر الى هؤلاء الذين يمرون و هم يحملقون الى اللحوم المعروضة في الفترينات و يقفون قبالتها كقطط جائعة ، ثم يجمعون ما فاض لدى اللحام اخر النهار من عظام ليطهوا على مرقها طعامهم ..
ثم تند عن اسنانه المصفرة ضحكة مستنكرة خبيثة تتبعها قرقرة مبحوحة الرنة : هل تدري ان القطط و الكلاب المدللة تاخذ حقها في العيش اكثر من البشر و خاصة في بيوت الاغنياء .. فلهم طبيب خاص يكشف عليهم و يستحمون بشامبو خاص و يقدم لهم كل انواع الطعام .. و ينامون على فراش وثير معطر .. هناك كلب يفوق ثمنه عن ثمن بقرة حلوب .. ! يتمرغ في النعمة و ينام مع ست البيت في فراش واحد .. و لا تستطيع ان تستغني عنه ليلة واحدة .. !؟ تبيع زوجها و لا تبيعه .. !!! انظر الاطفال في بلادنا بالكاد يستطيع ابائهم ان يوفروا لهم علبة من حليب قليل الدسم ، و قد يشرف الطفل على الموت احيانا قبل ان يقرر عرضه على الطبيب .. لماذا ..؟ لقلة ما في اليد .. ثم في النهاية يشبو الطفل محروما .. كسير الخاطر .. معلولا ، يحمل نفسا معقدة مخربشة تئن بهموم العيش و احزان الحاجة .. ! و قد يتحول الى مجرم او قاطع طريق .. او سكير مثلي .. احتسبها كما تشاء !!
- المحبة جفت من قلوب الناس كما تجف المياه في مجرى النهر .. الجميع يركض و بصره مصوب الى الامام و لا وقت للالتفات ، لانه يخشى الفقر .. يخشى اذا وقع تدوسه اقدام من تزاحموا خلفه .. البعض لا يحرك ساكنا و النعمة تجري بين يديه كزخ المطر .. و البعض يقضي حياته يلهث و يركض و لا يتوقف الا حين يتوقف قلبه عن النبض .. دون ان يصل ..!
.. حقا كل من يستمع لهذا الرجل يشعر بانه اشبه بفيلسوف .. و لكن ؟ ثم استذكر مزيدا من حديث ابي طلال بالامس حين يسهب قائلا :
- قد يبدو كلامي سخيفا و مكررا و يحمل صورا مللنا النظر اليها و نحن نعيش هذه الحياة .. و لكن الشعور بالحرمان و الم النفس شيء عظيم .. عظيم .. !! انني اشفق على هؤلاء الناس الذين يخرجون من بيوتهم و النجمة في السما .. و لا يعودون الا ليلا ، و هم منهكون مطحونون يجرون جسدا زاخرا بالتعب و الشكوى و يطرحون اجسامهم المكدودة على حشية منامهم كميتون .. جواميس تدور من الصباح حتى المساء .. و هي تجتر القهر و الرتابة و الجوع .. يجمعون قروشا معدودة لا تشد اودهم و لا تخرس اجراس شقائهم و عيشهم المنكد ..
و ينتابني مزيدا من الدهشة حين يستل ابي طلال من جيبه صحيفة - و اهمس في ذاتي - سكير و مثقف و فيلسوف .. ! و يدفع الي بالصحيفة : ها ..تفضل اقرأ : سترى العجب العجاب .. ستقرأ ما يغضبك و يهتك هدوئك و رواقك و قد يبكيك ..
- يا ابي طلال ، هذه الشوائب و السلبيات التي تطرحها و تستنكرها كثيرا .. هي سلبيات و ترسبات و سلوكيات تجتاج الكثير من المجتمعات .. ! الحياة مليئة بالتناقضات .. فلولا الفقر ما انكشف الغنى .. و لولا المرض ما انجلى ترياق الشفاء ، و لولا جملة الاثام و المعاصي التي يجترحها الانسان في الليل و النهار ما رجع عن جادة الصواب و ذاق طعم الهداية .. فالشيء لا يعرف بغير الشيء .. ثم ان الخير و الشر توأمان و سيظلا يتقاتلان الى ان تقوم الساعة .. و حتما سينتصر الخير في النهاية ..
و الكون يجرى بمشيئة الله .. و هذه الدنيا دار ابتلاء و امتحان .. و الاخرة هي دار الجزاء .. و لاراد لقضاء الله و مشيئته ..
فقط ! على الانسان ان يبدأ بنفسه و ينساق الى عمل الخير بكل تلقائية و يبتعد عن دواعي الشر ..
و كأن كلماتي تبعثرث في جانب قصي من عقل ابي طلال ، و لم يكترث لها كثيرا حين اصر علي ان اطالع بعضا من العناوين التي توضعت في الصحيفة .. ثم بدأت انقل بصري سريعا بين العناوين التي اشار بها علي ..
- اب لتسعة افواه يعثر عليه مشنوقا في غرفته ..
- فتاة عضها ناب الجوع فسقط عنها لثام الحياء حين وقعت باخطبوط الليل تساله العمل بجسدها ..
- متسولا يحاول التقاط تفاحة تدحرجت على بساط الشارع فالتهمته سيارة مسرعة ..
- ام لاربعة اطفال تعمل موظفة باحدى الشركات .. راودها المدير عن نفسها فاستعصمت ..! و حين هددها بالفصل مسحت دموعها و عادت .. !!
- احد المشافي الخاصة تمتنع عن اسعاف عامل بترت شفرة المكن ساعده قبل ايداع تأمين نقدي .. فقد دما كثيرا ، ثم مات ..!
.. فجاة تعلو ضحكته المنكرة الساخرة حين هممت بقراءة العنوان التالي :
- طبيب يعمل في القطاع الصحي العام يستأصل المرارة لاحد المرضى بدلا من الزائدة الدودية ..
ثم يستدرك ابي طلال .. اكيد هذا المريض غير مهم .. فقير من عباد الله .. لا يحمل بطاقة توصية ..
على اية حال استئصال المرارة قد يجلب له الراحة و الهدوء اكثر من الزائدة !! كان الله في عون هذه المرارة من عيش كله مرارة ..
.. يا ابي طلال .. يا محترم ! يبدو انك لا ترى الدنيا الا من خلال نظارة سوداء لا تريك غير الجانب المظلم منها .. يا راجل " كن جميلا ترى الوجود جميلا " و الحياة تسير على هذه الشاكله منذ ان خلق الله الارض و من عليها .. !!
.. فقر و غنى ، مرض و شفاء ، شقاء و سعادة ، افراح و احزان ، موت و ولادة .. فالحياة مرة لك و مرة عليك ..
.. المؤمن العاقل هو الذي يصبر و يشكر و لا يسيء الظن بالله ..
.. بعد نقاش طويل طفرت دمعة حزينة من عيني ابي طلال السكران وغطت الكآبة محياه و بدأ يقنع بان اية محاولة للاصلاح تبدأ من ذات صاحبها ، برغم كل العوائق التي قد تحول او تعرقل نجاح الوصول للهدف .. !
* * *
حقا لي ان ادهش لوفاة ابي طلال فالحديث الذي دار بيننا بالامس ما زال رطبا في ذهني و لا يزال صوته يطرقع في وجداني ..
.. دنوت من جسد ابي طلال و هو مسجي على طاولة الغسل .. و راعني بخار الماء المتضوع وقد امتزج برائحة غريبة تدنو من المسك و العنبر .. لم يشتم انفي مثلها من قبل .. ! و حين القيت نظرة الوداع الاخيرة على وجه المتوفى رغبة مني في تأكيد سوء الخاتمة لكل من عصى و تجبر .. طالعني وجها طفوليا ينام في وقار و كبرياء ، يند عن ابتسامة هادئة مستقرة تنبعث منه خيوط نورانية تغمر الروح بالرضى .. و لازال احملق .. و في جسدي رعدة صاخبة و لسان ما فتأ يستغفر الله و يطلب الرحمة .. لهول ما ارى ، و امتد بي الحال كذلك حين رفعنا النعش على اكتافنا ، كيف بدا خفيفا يسابق خطواتنا و كأن له جناحان يطيران به .
.. لقد مات ابي طلال فجاة .. و ها هو قد رحل ، و وري جثمانه الثرى .. قال احدهم لقد اراح و استراح .. !
.. لقد رأيت اليوم من ابي طلال امرا عجبا .. لقد كان في غاية العصيان لله و الاذى للناس .. و انى تكون له هذه الخاتمة الجميلة .. ؟ هذه الخاتمة لا تصلح الا لرجل قضى حياته في اعمال البر و التقوى .. و لا تليق باي حال من الاحوال ان تكون لرجل امثال ابي طلال ؟؟؟ و احتشدت الظنون و طفقت التساؤلات تخصف بي .. و حين جن الليل و تهيأت للرقاد – و الذي كان مستحيلا في اوله – وجدتني احمل راسا كخلية نحل معبأة بالتساؤلات و الظنون .. و في ساعات الليل الاخيرة جاءني الجواب بسيطا و انا اغط في سراديب عميقة من الرؤى الجلية في اقاصي الحلم .. !
.. نظرت ابي طلال في مجلس انيس و قد بدا جميل الصورة ، بهي الطلعة ، عليه اسمال خضر من حرير يضوع منها العطر .. يتسابقن في خدمته حور حسان يلقمونه شهي الطعام و يسقينه عذب الشراب .. يسعون عليه و لا يتمنون غير رضاه .. و حين راني تهللت اساريره ، و شرع يلوح لي بيده ، و لا يفصلني عنه غير جدول رقرق .. تمتد على جنباه خضرة يانعة .. ساحرة ، ثم راح يبشرني خيرا ، و لا سيما و انني تكلفت بجميع نفقات دفنه .. و اقمت له مأتما .. و مر موكب من رجال شداد غلاظ يجرون رجلا لا يفتأون التوقف عن ضربه بمقامع من حديد ثم يلقونه في حفرة مشتعلة يخرج منها حيات و عقارب ، منفرة .. فارتد بصري عن تلك المشاهد المفزعة و هممت بالهروب و لكن ابي طلال استقفني و همس لي :
.. الم تعرفه .. ؟ انه فلان ، كان في الدنيا وجيها و غنيا ، مات بالامس و اجتمعت على جنازته الخلائق ، يرمونه باكاليل الورد و يرشونه بالعطور و قد ذرفوا عليه اهله و مريدونه دموعا تزيد عن فصل شتاء كامل .. و لكن هل نظرت مصيره ؟
.. صحوت من منامي مذعورا .. و لم يتسنى لي استجواب ابي طلال عن سر مقامه السعيد ؟
كل ما علمته و حين تركني ابي طلال في ذاك اليوم و انطلق .. كان الدمع يغطي وجهه و نية صادقة على التوبة تجول في اعماق خاطره .. يومها تاب الى الله ، و ركض مسرعا ليقف على بابه ضعيفا مستكينا طلبا للمغفرة و الرحمة ، حتى نظر جنازة عابرة لاحد الاغنياء .. و حين هم بالمشاركة .. زجره كل من كان يتحلق النعش .. زجروه و عزروه و دفعوا به بعيدا خشية ان يدنس بحضوره مقام المتوفى ، و قال احد المشيعون : لم يعد في الدنيا رجال تحمل بالنعش .. حتى يحمل به رجلا عاص و سكير مثلك .. ؟!
.. كان الالم يعتصر قلبه و الحسرة تزمجر كالسنة اللهب في حناياه و الدمع يسح حزينا من عيناه .. قالت عجوز كانت تجاوره السكن .. لقد رجع في تلك الليلة الى بيته – على غير عادته - و جلس امام نفسه يحاسبها و يعاتبها و يؤنبها ، و يتعهد الله ان يخلع كل عاداته و يسوى من سلوكه و يعدل من طباعه .. ثم قام فاستحم و توضأ و اشهد الله على توبته و طلب منه العفو و الغفران .. ثم استقبل القبلة على نية الصلاة .. لقد غدت روحه كفراشة جميلة تحررت من شرنقتها .. ترفرف في فضاء الخير و السكينة .. في تلك الليلة دعى ابي طلال ربه كثيرا و تضرع اليه و شكى ضعفه و نفسه الامارة بالسوء و رجاه ان يباعد عنه وسوسة الشيطان .. لقد بات ليلته تلك يبكي و يصلي حتى وجدناه مغشيا عليه على سجادة الصلاة .. !!
خيارات
Bookmarks
ما هذا ؟
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .






























