الأخبار
كبار السن أكثر عرضة للحوادث خلال استعمال الموبايلمهجة القدس: الإفراج عن الأسير المجاهد محمد النجار من الخليلسوريا: سقوط طائرة إسرائيلية بلا طيار قرب مرتفعات الجولانمئات المستوطنين يقتحمون "قبر يوسف" في نابلسقافلة "جزائر 3" الانسانية تصل اليوم الى غزةبالصور… لليوم الثاني - السلطات المصرية تواصل فتح معبر رفح للعالقين والحالات الانسانيةمايكروسوفت تطور جهازاً للواقع الافتراضيالفتياني يزور مدرسة زهرة المدائن ويطلع على نشاطات التربية و التعليمأسعار صرف العملات مقابل الشيكلعرب 48: جمعية انماء في زيارة الي مركز العائلة المقدسة - للتعليم الخاصدراسة: زلات الذاكرة مرتبطة بالإصابة بجلطة بين المتعلمينالطقس: انخفاض على درجات الحرارة وتساقط امطار متفرقةبالصور: فى العام الجديد لا تتخلص من مهملات منزلك القديمةبالصور: عمال حديقة حيوان يضعون رؤوسهم داخل أفواه التماسيحمى كساب تؤكد خطبتها من "أوكا": وتلمح بشيئ ماصبيح يدق ناقوس الخطر.. إسرائيل رصدت 17 مليار دولار لتهويد القدسبالفيديو.. مصطفى بكري يشرح أسباب اختيار اللواء خالد فوزي لمنصب مدير المخابراتبالفيديو.. رانيا يوسف : بودّي كلبتي المدرسة مع "لانش بوكس"الرئيس يستقبل الفنان هيثم خلايلةالحمد الله يبحث مع وزير خارجية كوريا الجنوبية سبل تعزيز التعاونمصر: حركة عمر سليمان ومراد موافى وقوي سياسية يهنئون رئيس المخابرات العامه الجديدمصر: محافظ الاسماعيلية يتفقد الأعمال الانشائية لمحطة معالجة الصرف الصحىمهجة القدس: الأسير المجاهد ماهر الساعد يتنسم عبير الحريةأريحا : اختتام ورشة عمل نقابيه حول المفاوضات واتفاقيات العمل الجماعيةمهجة القدس: الأسير المريض جعفر عوض في حالة صحية حرجة جدااللواء حازم عطالله يعتمد خطة الشرطة لتأمين أعياد الميلاد المجيدة في بيت لحمالسفير الشوبكي: الرئيس يملك خطة طريق وطنية تصل بنا الى إعلان الدولة الفلسطينيةأميال من الابتسامات تنسق لدخول قافلة علماء الجزائر من معبر رفح البريمصر: سيدتان وسائق يشعلوا النيران بالسيارة رقم 6413 الملاكى داخل جراج بطنطاوفد من الامن العام الاردني في زيارة لدولة فلسطينالأمة العربية الأسرى للدراسات : مؤتمر سويسرا محطة في ارغام اسرائيل للالتزام بحقوق الأسرىندوة سياسية لمناسبة انطلاقة الجبهة الشعبية في مخيم عين الحلوةحركة فتح تعقد مؤتمر المكتب الحركي للمعلمين في الخليل تحت عنوان " الشهيد الوزير زياد أبو عين "شاب يحرق أحد أقاربه ويسلم نفسه للشرطة في جنينمصر: د. هاني النقراشي عضو المجلس الاستشاري الرئاسي لكبار علماء مصر ضيف جامعة النيل الأهلية
2014/12/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

عثمان أمين فيلسوف الجوّانيّة في العالم العربي بقلم:الدكتور سامي الشيخ محمد

تاريخ النشر : 2006-01-06
عثمان أمين

فيلسوف الجوّانيّة في العالم العربي

الدكتور سامي الشيخ محمد

عين غزال- حيفا - فلسطين

برزت في الآونة الأخيرة أهميّة الفلسفة في الوطن العربي،ودورها في صياغة مشكلاتنا الرّاهنة ووعينا بهذه المشكلات ، بعد عزوفٍ عنها دام طويلاً ، ولا أدلّ على ذلك من أنّه قلّمّا تخلو جامعة في الوطن العربي من قسم خاص بالدّراسات الفلسفيّة ، بل إنَّ مادّة الفلسفة قد أصبحت تُدَرّس في المرحلة الثّانويّة في معظم مدارس الوطن العربي .

والأهمّ من ذلك أنَّ الإبداع الفلسفي في الوطن العربي قد نشط نشاطاً ملحوظاً بدءاً من منتصف القرن العشرين ، وظهر فلاسفة من الصّعب على أي مؤرّخ جدّي للفلسفة العربيّة المعاصرة أن يتجاهلهم كيوسف كرم ، وعثمان أمين ، وزكي نجيب محمود ، وعبد الرّحمن بدوي ، وعبد العزيز الحبّابي وكمال يوسف الحاج ، وحسن حنفي ، وإبراهيم مدكور ، و زكريا إبراهيم ،وآخرين .

كما شهدت الحياة الفكريّة في الوطن العربي بروز تيّارات فلسفيّة مهمّة كالوجوديّة ، والوضعيّة ، والماركسيّة ، والرّوحيّة .. الخ . ولكن التناول النقدي لمجمل النشاط الإبداعي الفلسفي لم يرتق بعد إلى مستوى هذا الإبداع .

صحيحٌ أنَّ الفلسفة العربيّة ما زالت تشقّ طريقها نحو العالميّة ، وما زالت واقعة تحت التأثير الحاسم للفلسفة الأوروبيّة،غير أنَّ هذه الفلسفة بحاجة كبيرة إلى تناول يسهم في تطوير الخطاب الفلسفي العربي وتحديد ملامحه ونقاط ضعفه وأصالته ومتطلّبات تقدّمه.ولهذا وجدت من الأهميّة بمكان تناول واحدة من الفلسفات العربيّة المعاصرة موضوعاً لهذه الدّراسة ، هي (الفلسفة الجوّانيّة) لصاحبها عثمان أمين ، ذلك أنَّ دراسة عثمان أمين تشكّل على نحو ما نرى مدخلاً إلى عالم الفلسفة العربيّة المعاصرة ، ومناسبة لتحديد مستوى تطوّر الوعي الفلسفي في مرحلةٍ شهدت ازدهاراً نسبيّاً للفلسفة العربيّة أعني مرحلة الخمسينات والستينات ، إذ يمكن ردّ هذا الازدهار النّسبي -للفلسفة العربيّة المعاصرة - إلى عاملين أساسيين وليسا وحيدين بالطّبع ، أولاً : التطوّر الاجتماعي الاقتصادي بخاصّة في مصر بعد ثورة 23يوليو (تمّوز) . ثانياً : الانفتاح الواسع على الغرب والتأثير الشّديد الّذي مارسه علينا ولا يزال يمارسه علينا .

من هنا فإنَّ الدّخول إلى عالم عثمان أمين الفلسفي غير ممكن إلاّ بعد دراسة دقيقة للعصر الّذي عاشه هذا الفيلسوف ، ولأهم التيّارات الفلسفيّة العربيّة الّتي وَجَدَت وسطاً ملائماّ لانتشارها .

من ناحية ثانية تستهدف هذه الدّراسة اكتشاف الدّلالات الفلسفيّة الّتي تنطوي عليها فلسفةً روحيّة كهذه ، والأسباب الّتي أنتجتها ، والشّروط الّتي أسهمت في انتشارها والمصير الّذي آلت إليه الآن ، ومدى قدرتها وقدرة مدارس مشابهة على الحياة في عالمٍ متغيّر متطوّرٍ دائم .

إنَّ أهمّ ما يميّز عثمان أمين وجوّانيّته عن فلاسفة الوجوديّة والوضعيّة والماركسيّة ، على الرّغم من تأثّره بكانت وبرغسون والفلسفة الرّوحيّة الغربيّة،أنّها فلسفة تجديدٍ إسلامي.وتوظيف الإسلام توظيفاً فلسفيّاً ليس بالشّيء الجديد ، لكنَّ الجديد عند عثمان أمين هو محاولته إشادة مذهبٍ فلسفيٍّ قائم على أساس إسلامي إصلاحي ، في وقتٍ لم يعد فيه حاجة للإصلاح الدّيني ، ولهذا لم تأت جوّانيّة عثمان أمين كشكلٍ للإصلاح الدّيني النّموذجي كما هو الحال لدى الأفغاني ومحمّد عبده ، على الرّغم من إعجابه الكبير بهما ، بل كاتّجاهٍ لا عقلاني هو أقرب إلى الصّوفيّة ، وبنفس الوقت يرى صاحبها بأنّها فلسفة تغيير .

ومن الغرابة بمكان ألاَّ يحظى عثمان أمين بالعناية الّتي يستحقّها شأنهُ في ذلك شأن العديد من رموز الفكر الفلسفيّ العربيّ الحديث والمعاصر من قِبَل المفكّرين والباحثين العرب فإنّنا في أحسن الأحوال نقع على نتفٍ هنا وهناك وإشارات مبسّطة في فقرات مختصرة تضمّنتها بعض الكتب دون أن تقدّم حتّى تعريفاً وافياً بالفيلسوف أو فلسفته أو بعض مقالات مجتزأة لا تفي بالغرض المطلوب ولا تعيّن المكانة الّتي شغلها في بنية الفكر العربي المعاصر . لذا وجدتُّ من الأهميّة بمكان إيفاء هذا الفيلسوف جزءاً ممّا يستحقّ ، ففردنا بحثاً في الأسس الفلسفيّة للجوّانيّة عند عثمان أمين ، نأمل أن يخرج للتّداول في السّاحة الثّقافيّة العربيّة في وقتٍ قريب .

فجُلَّ ما كُتب عن عثمان أمين قليل أبرزه السّفر الّذي شارك فيه نخبة من المفكّرين العرب وقام بالإشراف عليه وتصديره الدّكتور إبراهيم مدكور بعنوان " دراسات فلسفيّة " مهداة إلى روح عثمان أمين ، حتّى المعاجم والموسوعات الفلسفيّة قد خلت من ذكرٍ للفيلسوف أو فلسفته .

وبالجملة إنَّ ندرة الكتابات عن عثمان أمين ونشاطه الفلسفي لا تتناسب البتّة مع ما قدّمّه للفكر الفلسفي العربي المعاصر من مواد غنيّة سواء في ميدان التّأليف أو التّرجمة أو التّحقيق ، الأمر الّذي يستحقّ المزيد من الاهتمام والاطّلاع والبحث والتّقويم لهذه الفلسفة .

*-البيئة الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة :

من غير الممكن تناول عثمان أمين وفلسفته دون النّظر بعمق للظّروف التّاريخيّة الّتي نشأ بين ظهرانيها الفيلسوف سواء كانت اجتماعيّة أم سياسيّة أم ثقافيّة ، ذلك أنَّ تفاعلاً هامّاً يحدث بين الفكر والواقع ، فلا فكر يخلق في فراغ أو يوجد في فراغ ، ثمَّ لا جدوى من فكر لا يتفاعل مع الواقع ولا يفضي إلى نتائج ملموسة .

لعلّ دراسة الواقع الاجتماعي والسّياسي والثّقافي تشكّل المنطلق الرّئيس في البحث عن عثمان أمين وفلسفته ، فقد بذل جهداً كبيراً في التّوصّل لعلاج مشكلات العصر فصاغ فلسفة أسماها " الجوّانيّة " بوصفها الإجابة الصّحيحة _ من وجهة نظره _ على المسائل المعقّدة في الحياة ، وكلّ ذلك لم يكن معزولاً عن مسار التّطوّر الفكري والسّياسي في مصر المعاصرة .

فالفترة الممتدّة بين أواخر العشرينيّات والخمسينيّات من هذا القرن تميّزت بثراءٍ كبيرٍ في حياة مصر حيث شهدت الحياة السّياسيّة والأيديولوجيّة والثّقافيّة العامّة حركة نهوض وتطوّر إذ شهدت ظهور حركةٍ فكريّة نشطة يقودها عدد من المتنوّرين باتّجاهاتٍ مختلفة ، إسلاميّة تجديديّة وليبراليّة تحديثيّة وعلمانيّة وقوميّة ، من أهمّ رموزها علي عبد الرّازق ، طه حسين ، عبّاس محمود العقّاد ، سلامة موسى ، لطفي السّيّد ، أحمد أمين ، وغيرهم ، فقد وُضِعَ الموروث الثّقافي للأمّة موضع نظر وتقويم وفاقاً لثقافة العصر ومنظوره ، ممّا حمل البعض على توجيه الاتّهامات بالكفر والزّندقة والإلحاد للعديد من المفكّرين على النّحو الذي حصل لعلي عبد الرّازق في كتابه " الإسلام وأصول الحكم " ولطه حسين في كتابه " في الشّعر الجاهلي " ولخالد محمّد خالد في كتابه "من هنا نبدأ " ولمفكّرين آخرين ، ذلك أنّهم شكّلوا بداية مرحلةٍ جديدة من التّفكير في حياة مصر .

لقد لعبت مرحلة حكم البرجوازية دوراً مؤثّراً في تطوّر وازدهار الفكر المصري المعاصر حيث تحرّرت الثّقافة نسبيّاً من القيود الّتي فرضتها عهود الاحتلال الأجنبي على مصر حيث بزغت بذور الثّقافة التّحرّريّة الليبراليّة المعاصرة من خلال الانفتاح على الغرب ممّا أسهم في النّهضة الفكريّة الشّاملة .

وبمجيء ثورة 23يوليو " تمّوز" دخلت فئات جديدة إلى مسرح الأحداث السّياسيّة وسلطة الحكم فشكّل ممثّلو الفئات الوسطى القوّة السياسيّة النّافذة الّتي عملت على تخفيف الضّغط الّذي مارسته الأداة البرجوازيّة التّابعة بحقّ جماهير العمّال والفلاّحين ، كما أحدثت جملة تغييرات وإنجازات سياسيّة وطبقيّة هامّة في تاريخ مصر المعاصرة .

وما يميّز هذه المرحلة على الصّعيد الأيديولوجي هو اشتداد الاتّجاه القومي الإسلامي التّقدّمي فأصبح الاتّجاه الرّئيس الّذي تبنّته السّلطة الجديدة في البلاد ، أمّا على المستوى الثّقافي فأسهمت القوى السّياسيّة الجديدة في خلق الظّروف المناسبة لظهور مفكّرين وفلاسفة ، وأصبح التّعليم بمتناول الجميع فأخذت نسبة الأمّيّة تقلّ ومساحة الجهل تضيق ، وفي هذه المرحلة برزت اتّجاهاتٍ فكريّة وفلسفيّة جديدة ، وأصبحت جسور الثّقافتين العربيّة والغربيّة مفتوحة على بعضها البعض ، فظهرت الفلسفة الوجوديّة ، كما دخلت الوضعيّة المنطقيّة ، وبرز عدد من أعلام الفكر الفلسفي المعاصر في مصر كيوسف كرم أحد الرّوّاد الكبار في ميدان الدّراسات الفلسفيّة المنظّمة ، والمعلّم البارز لعدد من فلاسفة الجيل ، ثمّ انتشرت لاحقاً الاتّجاهات البنيويةّ والماركسيّة وغيرها فكان لها نصيبٌ في صياغة بنية الفكر المصري المعاصر ، كما شكّلت مصادر أساسيّة لفكر الفلاسفة اللاّحقين ، في تلك الأجواء الفكريّة نشأ فكر عثمان أمين متأثّراً بآراء وأفكار واتّجاهات العديد من المفكّرين ، فلعب فكر عصر النّهضة دوراً بارزاً في تكوين فكره وفلسفته بالإضافة إلى أثر الاتّجاهات الفكريّة والفلسفيّة المعاصرة عليه عبر أهمّ أعلامها ، الشّيخ مصطفى عبد الرّازق ، والعقّاد ، وطه حسين ، ولطفي السّيد ، وسلامة موسى ، حتّى عبد النّاصر ، إضافة لنفرٍ ليس قليل من المفكّرين الإسلاميين المعاصرين والعلمانيين ، فكان لمنظومة الفكر المصري المعاصر آنفة الذّكر دورٌ مهمٌّ في تكوين منظومته الفلسفيّة إلى جانب أثر الثّقافة الفلسفيّة الرّوحيّة الغربيّة عليه .

حقّاً لم يُكتب للفكر الفلسفي في مصر والأقطار العربيّة الحضور والنّجاح في ظلّ عصر الانحطاط بسبب العداء السّافر للفلسفة والمشتغلين بها ، وحتّى المهتمّين في القراءات الفلسفيّة . فمنظومة الفكر الدّيني واللاّهوتي السّائد فرضت قيداً على حرّيّة الفكر وحدّاً على كلّ معلّم ومتعلّم في الفلسفة حدّ التهمة بالزّندقة والإلحاد ، حتّى نظرة النّاس للمشتغلين بها لا تعدو نظرة سخرية وازدراء ، كما أنَّ اللجوء إلى جزالة اللفظ والابتعاد عن الألفاظ المُتَداولَة والمستساغة ، ثمّ انتشار الجهل وتفشّي الأمّيّة وتدنّي مستوى التّقدّم الثّقافي والمعرفي قد أدّى بجملته إلى تأخّر الإنتاج الفلسفي العربي عموماً .

من المعلوم أنَّ الفلسفة ثمرة تطوّر وتقدّم ثقافي عام وشامل ، إلاّ أنَّ الظّروف تبدّلت والحال تغيّر بفعل أسباب نشر الثّقافة الفلسفيّة في مصر والعالم العربي ، واتّخاذ مواقف إيجابيّة منها .

فحركة إحياء التّراث الثّقافي الفلسفي العربي القديم لفلاسفة كبار كالكندي ، والفارابي ، وابن سينا، وابن رشد ، وغيرهم ممّن أثّروا في الفكر الأوروبّي تأثيراً قويّاً قبل اتّصاله بالفكر اليوناني تطلّبت إتقان أثر الأجداد في العناية بالثّقافة الفلسفية الأمر الّذي دفع المشتغلين بها على إظهار قصارى جهدهم النّظري في إحياء التّراث الفلسفي والمعارف النّظريّة مما أسهم في نشأة وتطوير الاتّجاهات الفلسفيّة المعاصرة في مصر ، علاوةً على ظهور الدّعوة لتحكيم العقل في إصلاح حياة الإنسان والتّوفيق بين الفلسفة الصّحيحة والدّين وإزالة الفوارق بينهما .

إنَّ الدّعوة لنشر الثّقافة العلميّة وتحرير العقل من قيود التّقليد الأعمى أسهم بجملته في خلق مناخٍ ثقافي لعب دوراً مهمّاً في نشأة وتطوّر الاتّجاهات الفلسفيّة المعاصرة في مصر والعالم العربي ممّا غيّر من نظرة النّاس حيال الفلسفة بحيث تمَّ إدخالها إلى مناهج التّعليم وطباعة ونشر العديد من المؤلّفات والكتب الفلسفيّة بالإضافة إلى عوامل أخرى أثّرت تأثيراً قويّاً في تلك الاتّجاهات .

لقد أدّى اتّصال العرب بالحضارة الأوروبيّة الحديثة واطّلاعهم على الفلسفة فيها أن جعل البعض منهم يقوم بترجمة المؤلّفات الفلسفيّة إلى العربيّة، الأمر الّذي كان له أثرٌ في تطوير الاتّجاهات الفلسفيّة المعاصرة في مصر والعالم العربي إلى جانب أثر البعثات التّخصّصيّة إلى أوروبّا في حدوث ذلك من خلال اختيار الطّلبة موضوعات فلسفيّة غربيّة أو فلاسفة كبار كـ(ديكارت ، وكانط ، وهيجل ، وبرغسون) ، وغيرهم ، ثمَّ ترجمتها إلى العربيّة ونشرها الأمر الّذي لعب دوراً مهماً في نشأة وتطوّر الاتّجاهات الفلسفيّة المعاصرة ، ثمَّ أنَّ الاتّصال الثّقافي والفلسفي بالغرب قد أدّى إلى تبنّي فلسفات غربيّة أو المزاوجة بينها وبين التّراث الفلسفي العربي والإسلامي ، كالوجوديّة ، والفلسفة الإصلاحيّة الدّينيّة ، والعقليّة ، والوضعيّة المنطقيّة ، والماركسيّة وغيرها .

وعليه كان للحضور الفلسفي الغربي في الفكر الفلسفي المعاصر في مصر والعالم العربي أثرٌ فاعلٌ شجّع على التّفلسف والإضافة والابتكار،والخروج بفلسفاتٍ جديدة تؤَلِّف بين تراث العرب الفلسفي الإسلامي وتراث الغرب الفلسفي الرّوحي من ناحية، واحتياجات المجتمع العربي المعاصر ومتطلّبات تقدّمه من ناحية أخرى ، دون إغفال بعض العيوب والمثالب الّتي شابت ذلك الحضور في نشأة وتطوّر الاتّجاهات الفلسفيّة المذكورة . وما الفلسفة الجوّانيّة إلاَّ نموذجاً للتّفاعل بين عناصر الفلسفة الإسلاميّة والفلسفة الرّوحيّة الغربيّة ، إذ نشأت في إطار تطوّر الاتّجاهات الفلسفيّة المعاصرة ، فتأثّرت بها وبالثّقافة الرّوحيّة للفلسفة الغربيّة .

ومن شأن الحديث عن الفلسفة الجوّانيّة عند عثمان أمين الإشارة لمنابع تلك الفلسفة وأصولها . أوّلاً : المنبع الإسلامي : عثمان أمين فيلسوفٌ إسلاميٌّ قبل كلّ شيء ، أي أنّه يصدر عن رؤية إسلاميّة تجديديّة للعالم وللمجتمع والفرد . لهذا فإنَّ أيّاً من الدّارسين له لا يستطيع الدّخول إلى فلسفته والوقوف على طابعها الأخلاقي دون أن يرصد عمليّة نهله للمبادئ الإسلاميّة بعامّة والأخلاقيّة منها بخاصّة .

ومصدر الأخلاق الإسلاميّة يتمثّل في الكتاب ، والسنّة بما تنطوي عليه من سلوكٍ وحديث ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ الأخلاق الإسلاميّة من وجهة نظر عثمان أمين هي أخلاقٌ جوّانيّة في مبدئها . وجوّانيّتها تكمن في أنّها أخلاقٌ تولي الأهميّة لما هو كامنٌ ومستتر داخل الإنسان ( للنيّة الخالصة والضّمير الحيّ والعمل المبني على الإرادة والجهد الإنسانيين ) .

من هنا ليس غريباً أن تتقاطع جوّانيّة عثمان أمين ، مع الأخلاق الصّوفيّة في بعديها الأخلاقي والرّوحي فتراه يتحدّث عن الجوّانيّة في أخلاق الصّوفيّة باعتبار أنَّ معاني النّيّة والإخلاص تشكّل الدّعامة الأخلاقيّة الجوّانيّة في أخلاق الصّوفيّة .

من ناحية أخرى وجد عثمان أمين أنَّ الفضول هو المحرّك الأساسي لتحصيل المعرفة ، وأنَّ الحبّ أوثق عرى الإيمان باعتباره أمراً داخليّاً منبعه العاطفة والشّعور .

كذلك تأثّر بعددٍ من الفلاسفة والمفكّرين الإسلاميين في إشادة مذهبه ، كـ(الغزّالي ، ومحمّد عبده ، والعقّاد ، وآخرين ). فها هو يتحدّث عن الجوّانيّة الأخلاقيّة عند الإمام الغزّالي ويبرز بجلاء تفرقته بين الجوّاني والبرّاني ، وإيلائه الأهمّيّة للقلب والزّهد والإخلاص في حياة الإنسان . ثمّ يتحدّث عن أثر محمّد عبده والعقّاد في فلسفته ، ليخلص إلى نتيجةٍ مفادها ، الاعتماد على المقياس الرّوحي في مقابل المقياس الحسّي في النّظر للأمور والأشياء .

وصفوة القول : شكّل القرءان ، والحديث ، والسّنّة النّبويّة ، بالإضافة لأبرز المدارس والفِرَق الإسلاميّة وأعلام الفكر الفلسفي الإسلامي أمثال حجّة الإسلام الغزّالي ، والشّيخ محمّد عبده ، وعبّاس محمود العقّاد وغيرهم مصدراً رئيساً من مصادر فلسفته الجوّانيّة فاعتمد عليه في إشادة صرح فلسفته الواعدة " الفلسفة الجوّانيّة " الّتي ألفى فيها فلسفةً توقظ الأمّة من سباتها لتحيا حياةً إنسانيّة حرّةً كريمة فاضلة تستجيب للأخلاق الإسلاميّة العتيدة .ثانياً:الفلسفة الرّوحيّة الغربيّة :بوصفها منبعاً مهمّاً من منابع فلسفته،وللأسباب الّتي سبق لنا ذكرها ، فإنَّ جيلاً كاملاً من المفكّرين العرب اتّسم بالنّزوع للتّراث الفلسفي الأوروبّي ، إذ بالكاد أن نجد فيلسوفاً عربيّاً معاصراً لم يتأثّر بهذا الشّكل أو ذاك بأحد فلاسفة الغرب أو بأحد تيّاراته الفلسفيّة الكبرى ، وعثمان أمين واحدٌ ممّن تأثّروا بالفلسفة الرّوحيّة الغربيّة ، إلى حدٍّ يمكننا القول معه بأنّ تلك الفلسفة وأعلامها قد شكّلت منبعاً ينضاف إلى المنبع الإسلامي لفلسفته . لقد أشرنا إلى الأثر العام للفلسفة الغربيّة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر في مصر وخارجها ، غير أنّه من الضّروري الإشارة إلى الأثر المباشر لتلك الفلسفة في منظومة عثمان أمين الفلسفيّة باعتبارها واحدة من الفلسفات العربيّة المعاصرة البارزة . يتّضح للباحث في فلسفة عثمان أمين الجوّانيّة أنّه عاد إلى الفلسفة اليونانيّة وإلى التّراث الأفلاطوني الرّواقي على وجه الخصوص ، فتأثّر بنظريّة المثل الأفلاطونيّة وعدّها ملهماً لفلسفته الجوّانيّة، من خلال تميزها الأشياء المحسوسة عن ماهيّتها ، والتّركيز على المثال بوصفـه النّموذج الأصلي لكلّ شيء ، كونه يجسّد المثال المطلق في ذاته ، ذلك المثال الّذي يتّسم بالثّبات والدّوام ، ولا يمكن بلوغه إلاَّ بعيون الرّوح لا بعيون الجسد ، فأفاد عثمان أمين منه في معرض تمييزه الجوّاني عن البرّاني، فالجوّاني هو العلّة الفاعلة في الشّيء ، أمّا البرّاني فهو صورةٌ ظاهريّة للشّيء ، ليس بالإمكان الارتكان إليها في فهم حقيقة الشّيء والمضامين الّتي ينطوي عليها . طبقاً للقول المأثور : " لا تحسبنّ دليل المرء صورته كم منظرٍ حسنٍ عن مخبرٍ سمجِ " ويظهر تأثّر عثمان أمين بأفلاطون فيما يتعلّق بالفضائل الّتي رأى أفلاطون أنّها مهما تعدّدت ليست في الحقيقة إلاَّ أسماء لفضيلة واحدة وأهمّها العفّة والعدالة . في حين أنَّ الفضيلة الحقّة من وجهة نظر عثمان أمين هي التّزكية " تزكية الوجدان " كذلك تشكّل الرّواقيّة أحد المنابع الفلسفيّة للجوّانيّة لاسيّما جانبها الأخلاقي . أمّا الدّيكارتيّة بخاصّة آراء ديكارت في النّفس والجسد ، وتمييزه بين الفضائل الحقيقيّة والفضائل الظّاهريّة ، ثمَّ ما يسمّيه عثمان أمين بالهاتف الجوّاني لدى الإنسان ، وفلسفة الكوجيتو ، ومنهج الشّك في التّوصّل إلى حقائق الأشياء كان لها أثرٌ مهمٌّ في صياغة الأفكار الفلسفيّة لعثمان أمين .حقّاً يعدُّ ديكارت هادياً ومرشداً لعثمان أمين ، الّذي اعتبره رائداً من روّاد التّنوير مهمّته تنقية الأذهان وتنوير العقول . ومن المنابع الفلسفيّة للجوّانيّة ، المنبع الكانطي ، فالكانطيّة بطابعيها النّقدي والترنسندنتالي وجد فيها عثمان أمين نقداً للعقل وسبيلاً لبلوغ النّتائج الفلسفيّة ، والتّمييز الدّقيق بين الذّات العارفة والموضوع ، ووصفاً للصّور والمعاني والمبادىء الأوّلانيّة المتعلّقة بالتّجربة . لقد نظر عثمان أمين لفلسفة كانط على أنّها الرّكيزة الأولى للمثاليّة الألمانيّة ، من خلال توضيحه العلاقة بين المثالي والتّجربة ، فلم ينظر إليها كعلاقة انفصال أو مفارقة ، ذلك أنَّ المثالي هو أقرب إلى أن يكون مرحلةً أو عاملاً في عمليّة التّجربة ذاتها ، يكملها ويضفي عليها وحدةً نسقيه . فوجد عثمان أمين أنَّ الجوّاني متساوٍ مع الأوّلاني ، فترادف الترنسندنتالي مع الجوّاني يمكن الكشف عنه لأنّه أمرٌ متصوّرٌ فينا أمّا " التّرنسندنت " البرّاني ، فمعرفته غير ممكنة أبداً لأنّه خارج عنّا وعرضةٌ للتّبدّل والتّغيّر وعدم الثّبات . من ناحية أخرى خلقت قراءة عثمان أمين لكانط نوعاً من الصّحبة الجوّانيّة معه ، فقراءة كانط من قِبَل من صحبوه صحبة تعاطف وتآلف لا صحبة تجاوز وتزاحم تُشعرهم من أوّل وهلة وفي أيّ لحظة بزادٍ غزيرٍ من الإمتاع والمؤانسة . أمّا فشته :فقد لعب دوراً مهمّاً في فلسفة عثمان أمين بوصفه أحد الفلاسفة المثاليين الكبار في تاريخ الفلسفة الغربيّة الحديثة . من هنا توجّه عثمان أمين بعنايةٍ خاصّة إلى فشته لدرجة أنّه رأى فيه فيلسوفاً جوّانيّاً بكلّ ما للكلمة من معنى ، إذ أثبتت مثاليّته ما للحياة الرّوحيّة من استقلال ، وجوّانيّةٍ مشروعة ، وجعلت هذا الإثبات أساساً لنظرة الإنسان إلى العالم . فما هو جوّانيٌّ وأصيلٌ فينا هو النّور الّذي يكشف لأبصارنا جميع الأشياء في السّماء وعلى الأرض .

وأمّا برغسون : فقد تبوّأ مكانة مرموقة في فلسفة عثمان أمين ، إذ أصبحت جوّانيّته أقرب إلى الحدس الصّوفي منه إلى الحدس الفلسفي ، وأقرب إلى الرّؤية الباطنيّة منها إلى الرّؤية العقليّة كما هو الحال عند برغسون ، وأصبح الشّعور الأساس الأوّل للمعرفة ، يمكن أن تُدرك الماهيّة بواسطته، لقد مضت فلسفة عثمان أمين في إعلائها من شأن الحدس لدرجة أنّها تدرك وتقيم الدّليل على وجود الله بالحدس الجوّاني الخالص ، فأصبحت نظريّة المعرفة في الجوّانيّة نظريّة إشراقيّة خالصة ، ونظريّة الوجود هي نظريّة شعوريّة خالصة .

والمعرفة الجوّانيّة ترى في الوعي نقطة البداية ، الّذي يقوم بوظيفة المعرفة عن طريق التّعاطف العقلي ، كما هو الحال عند برغسون في تعريفه الحدس بأنّه : نور منبثق بعد طول صحبة ، لذا عدّ برغسون بحقّ أحد أهمّ المصادر الفلسفيّة المكوّنة للجوّانيّة عند عثمان أمين .

أمّا شيلر : فقد كان لآرائه أثرٌ مهمٌّ في تكوين عالم عثمان أمين الفلسفي خصوصاً تركيزه على النّزعة الإراديّة الإنسانيّة في تغلّبها على العقل النّظري في الإنسان وإيلاء الأهميّة القصوى للإنسان متّخذةً من مقولة بروتاغوراس "الإنسان مقياس كلِّ شيء" المبدأ الأساسي لها .

وأمّا الفلسفة الرّوحيّة الفرنسيّة ، فتعتبر مصدراً من مصادر فلسفة عثمان أمين المثاليّة ، فسبق أن عرض لديكارت وبرغسون غير أنّ هناك فلاسفةٌ آخرين أمثال مان ديبران ، وجان جاك روسّو ، وغبريل مارسيل ، ثمّ مالبرانش ، فسارتر ، ممّن كان لهم أثرٌ قويٌّ على منظومته الفلسفيّة ، ذلك أنَّ أصحابها اتّخذوا من معاني النّفس والرّوح ، والمثل والأخلاق ، والشّعور والعاطفة والوجدان ، ومعاني الوجود الباطنة ، منطلقاتٍ نظريّة لفلسفاتهم الرّوحيّة ممّا كان له الأثر في توجيه عثمان أمين نحوها .

ممّا تقدّم يمكننا القول أنَّ عثمان أمين واحدٌ من أبرز الفلاسفة والمؤرّخين للفلسفة العربيّة المعاصرين ، فله العديد من المؤلّفات ، والتّرجمات ، بالإضافة لتحقيق عددٍ وفير من المؤلّفات والتّرجمات والتّحقيقات الفلسفيّة بوصفه باحثاً ومؤرّخاً للفلسفة . مستخدماً منهج التّفسير الجوّاني في تناوله للفلسفة وأعلامها ، فقد ألّف سفراً مهمّاً عن "ديكارت" ، وفلسفته ، في محاولةٍ لسدّ فراغٍ ظاهرٍ في دراسة الفلسفة الحديثة في مصر والعالم العربي ، منطلقاً من أنَّ التّوجّه إلى دراسة تاريخ الفلسفة والتّواصل معه ، يعدٌّ واحداً من الأسس الّتي يقوم عليها المنهج الجوّاني في دراسة الفلسفة ، ويبيّن بعض وجوه هذا المنهج ، بقوله : أنّه من الخير ونحن ندرس آثار عظيمٍ من عظماء الفكر أن نسعى إلى تقمّص شخصيّة المؤلِّف واستكناه سرّه في مسعىً للوصول إلى دخيلة فكره وأن نحاول عرض مذهبه على أحسن الوجوه الممكنة وأن نصطنعه لأنفسنا مذهباً ولو لفترة البحث ، فليس ثمّة معرفة صحيحة من غير مشاركة روحيّة أو تعاطفٍ عقليّ ، وبالفعل طبّقّ هذا المنهج في قراءته لديكارت كما ترجم مؤلّف "التّأمّلات في الفلسفة الأولى " وفيه يفسّر عثمان أمين ديكارت تفسيراً جوّانيّاً شأنه شأن تفسيره لفلسفة " روّاد المثاليّة في الفلسفة الغربيّة " حيث يرى أنَّ التّاريخ الحقيقيّ للأفراد أو الأمم هو ما يمكن تسميته بالتّاريخ الجوّاني ، الّذي ينظر إلى المطامع الكامنة والمثل العليا ، وما حقّه أن يكون من وراء الوقائع والمنجزات والمحققات ولا يقتصر على رصد الحركات الظّاهرة ، والنّظر إليها من الخارج ، وكأنّه يرصد حركات الأجرام السّماويّة ، أو يتفرّج على مشاهد مسرحيّة دون أن يتفاعل معها أو يعانيها من الدّاخل .

ومن مؤلّفاته الفلسفيّة كتاباً مهمّاً بعنوان " الفلسفة الرّواقيّة " وهي الفلسفة الّتي عُنيَ بها في سنٍّ مبكّرةٍ من حياته الفلسفيّة ، فشكّلت مصدراً فلسفيّاً هامّاً ، وتبوّأت مكاناً مرموقاً في إطار الدّراسات الفلسفيّة التّاريخيّة عن الرّواقيّة بالقياس عمّا كُتِبَ عنها في اللّغات الأوروبيّة الكبرى في التّاريخ المعاصر . كذلك أصدر مؤلّفاً بعنوان " شخصيّات ومذاهب فلسفيّة " وهو دراسة تاريخيّة عن بعض أهمّ أعلام الفكر الفلسفي ، وعن أهمّ المذاهب الفلسفيّة في تاريخ الفلسفة كالرّواقيّة والأفلاطونيّة ، و أرسطو ، وديكارت ، و اسبينوزا ، و ليبنتز ، وكانط وبرغسون ، وغيرهم من الفلاسفة الرّوحانيين ، فينطوي على إعلاءٍ للفلسفة الرّوحانيّة وانتقادٍ لاذعٍ للفلسفة الماديّة.أيضاً أصدر مؤّلفاً آخر بعنوان " نحو جامعاتٍ أفضل " يرسم السّبيل الّذي يتعيّن على الجامعات اتّباعه كي تصبح جامعاتٍ متطوّرة ، داعياً إلى ضرورة التّحديث في مناهج التّعليم الجامعيّة لتكون جامعات عصريّة قادرة على استيعاب وتدري جميع العلوم فيها وفق نظرة جديدةٍ متطوّرة .

وفي العام 1953 أصدر مؤلّفاً فلسفيّاً آخر بعنوان " محاولات فلسفيّة " جرى التّركيز فيه على ضرورة الاتّجاه إلى قيم الرّوح وإثبات أنَّ العلم لا يكفي لبلوغ الحياة الإنسانيّة الصّحيحة ، داعياً إلى الإعلاء من شأن الميتافيزيقا ، والشّكّ الميتافيزيقي ، وإبراز أنَّ تنمية القوى الرّوحيّة في الفرد أهمّ بكثير من تنمية قواه الذّهنيّة ، للوصول لدرجة النّضج من وجهة نظره ، منتهجاً في مؤلّفه منهج التّفسير الجوّاني لتاريخ الفلسفة .

ووجد في منهج الكشف الباطن طريقاً للميتافيزيقا ، وأساساً يمكن الانطلاق منه والوثوق به في مجابهة المشكلات الّتي تطرح على الإنسان ، بينما رأى في العلم أداة قاصرة على تأدية الغرض ، والتّفسير الصّحيح للمشكلات والظّواهر الّتي يتناولها ، فرفع راية الميتافيزيقا ونكّس راية العلم إلى حدٍّ منخفض ، فمادّة العلم هي الموضوعات القابلة للتّجربة والقياس ، فهو أولى بها في التّفسير وإيجاد الحلول من غيره ، أمّا الموضوعات الغيبيّة فلا يمكن بلوغها بالعلم ، فيبقى المجال مفتوحاً للتّأمّل الباطن ، والمعرفة الحدسيّة الكشفيّة .

ويعدّ كتاب " رائد الفكر المصري محمّد عبده " من المؤلّفات الفلسفيّة التّاريخيّة الهامّة لعثمان أمين ، طبع عام 1955 واتّبع في دراسته منهج التّفسير الجوّاني ، فجاء المؤلّف بحثاً تاريخيّاً تحليليّاً لفكر محمّد عبده الفلسفي والاجتماعي والدّينيّ والأخلاقيّ والأدبيّ . وفي العام 1958 أصدر مؤلّفاً فلسفيّاً ، ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربي ، عن " شيلر " الّذي وجد فيه تقارباً بين مزاجه ومزاج شيلر ، فعكف على دراسة مذهبه في شغفٍ عقليٍّ ومشاركةٍ وجدانيّة ، وعاش في صحبته الرّوحيّة فترة سعيدة غير قصيرة .

وفي العام 1961 أصدر مؤلّفاً بعنوان " روّاد الوعي الإنساني في الشّرق الإسلامي " ثمّ نشر كتاباً بعنوان " دروس للشّباب في سيرة الأستاذ الإمام " عام 1964 ، ويركّز فيه على التّربية السّليمة والأخلاق الصّحيحة في بناء الجيل بناءً سليماً يمكن أن يلعب دوراً رياديّاً في الحياة الاجتماعيّة لأنّهم أقرب النّاس لفهم المعاني الرّفيعة ، وتحسّس المثُل العليا ، والاستعداد للتّضحية في سبيلها .

أمّا ذروة إنتاج عثمان أمين الفلسفي ، وثمرة إبداعه ، مؤلّفه " الجوّانيّة أصول عقيدة وفلسفة ثورة " أصدره عام 1964 ، وفي عام 1966 أصدر مؤلّفاً بعنوان " نظرات في فكر العقّاد " وفيه تأويلٌ لشخصّية العقّاد وأدبه تأويلاً جوّانيّاً من وجهة نظره .

وفي العام 1967 أصدر مؤلّفاً فلسفيّاً بعنوان " في اللغة والفكر " يحدّد فيه طبيعة العلاقة بين اللغة والفكر . وهو ذات العام الّذي أصدر فيه مؤلَّف " روّاد المثاليّة في الفلسفة الغربيّة " الّذي تناول فيه ثلاثةً من الفلاسفة الكبار ، ديكارت ، كانط ،و فشته ، كأبرز ممثّلين للفلسفة المثاليّة الغربيّة الحديثة ، مستخدماً في دراسته منهج التّفسير الجوّاني .

وفي العام 1974 ، أشرف على تصدير كتاب يحمل عنوان " دراسات فلسفيّة مهداة إلى إبراهيم مدكور " بمناسبة بلوغه السّبعين عاماً ، ساهم فيه عددٌ من المفكّرين والفلاسفة المعاصرين .

أمّا في ميدان التّرجمة فله العديد من الكتب المترجمة لكبار الفلاسفة الغربيّين ، منها كتاب البير باييه " دفاعاً عن العلم " في العالم 1946 ،ثمَّ ترجمة كتاب " التّأمّلات في الفلسفة الأولى " لديكارت في العام 1951 ، وترجمة كتاب كانط " نحو السّلام الأبدي " بعنوان " مشروع السّلام الدّائم " في العام 1952 .كذلك ترجمة كتاب " في الفلسفة والشّعر " للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في العام 1963 ثمّ تلاه بترجمة لكتاب كارل ياسبيرز " مستقبل الإنسانيّة " في العام 1964 . وفي عام 1971 أصدر ترجمةً لكتاب أميل بوترو بعنوان " فلسفة كانط" .

وفي ميدان التّحقيق ، حقّقَ كتاباً بعنوان " إحصاء العلوم " لأبي نصر الفارابي عام 1931 وكان وقتها يحمل شهادة الليسانسيّة في الآداب والفلسفة ، وهو كتاب له من الأهميّة ما يغني عن التّنويه به . ثمّ حقّق كتاباً بعنوان " تلخيص ما بعد الطّبيعة " لابن رشد في العام 1957 متّبعاً في ذلك منهج التّفسير الجوّاني .

وصفوة القول : أدّى عثمان أمين أدواراً متعدّدة الأغراض في ميدان حياته الفلسفيّة والثّقافيّة ، منها دور الباحث المؤرّخ للفلسفة ، ومنها دور المحقّق لنصوص تاريخيّة ، أو التّرجمة لنصوص فلسفيّة أجنبيّة ، ومنها دور الفيلسوف المبدع في العديد من مؤلّفاته الفلسفيّة . مبتكراً منهجاً التزم به في كافّة بحوثه الفلسفيّة وترجماته وتحقيقاته . الأمر الّذي جعل منه رائداً بارزاً من روّاد الفلسفة العربيّة والعالميّة المعاصرة يستحقّ الذّكر والتّنويه بجهوده الفلسفيّة ، من جانب المفكّرين والمشتغلين بالفلسفة عرباً وأجانب . وهو أقلّ ما يمكن القيام به لتكريم الفيلسوف عثمان أمين .





[email protected]
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف