Donia Al-Raai - email: pulpit.alwatanvoice@gmail.com
الأخبار
17.5.2012

لعبة الكراسي على المسرح اللبناني بقلم:د. محمد احمد النابلسي-لبنان

تاريخ النشر : 2005-03-16
كبر الخط صغر الخط
لعبة الكراسي على المسرح اللبناني

الساحة السياسية اللبنانية عقب إغتيال الرئيس رفيق الحريري تذكرنا بمسرحية "الكراسي". حيث يطرح المسرحي يوجين يونيسكو مسرحيته على أنها "نكتة مأساوية". لذلك يتساءل المشاهد عما اذا كانت هذه المسرحية مضحكة أم مبكية؟. ولكي يجسد يونيسكو مسألة العدم وغياب التواصل في العالم المعاصر فهو يستعمل وسيلة تتمثل بالكراسي الفارغة.

تنطلق المسرحية من حالة زوجين مسنين يعيشان وضعاً من التمزق والخوف والحصار، حيث القذائف تنهمر فوق رؤوسهم، وتصيب إحداها المبنى الذي يقطنون فيه، فيهوي السقف ويختفي الممثلون في فجوة الفراغ أو الموت؟!.

هكذا تجري أحداث المسرحية في هذا الزمن القاتل الفاصل ما بين سقوط السقف حتى لحظة وصوله إلى الأرض. إنها لحظة مسروقة من الزمن لشخصيتين ( زوج وزوجة) يثرثران حول الحب والحياة،والموت والخوف والتفاصيل اليومية، قبل أن يغيبا عن هذه الحياة. وهذا الأمر كما يقول يونيسكو:" تعبير عن "لاواقعية الواقع"، أو هو هذه اللحظة الاستثنائية من الفراغ الوجودي الذي سيفضي إلى الغياب المفترض.

بعد هذا المختصر لرموز لاواقعية الواقع نسأل هل يمكن للصدفة أن تفسر لنا موجة الإغتيالات السياسية التي تجتاح العالم اليوم؟. فقد جرت عدة محاولات لإغتيال الرئيس الفنزويلي شافيز ولا يزال البحث عن إغتياله جارياً. حتى أنه أعلن خوفه من كثافة الجهود لإغتياله. ثم محاولة إغتيال ولي العهد السعودي الأمير عبد الله. وبعدها محاولة إغتيال المرشح الأوكراني ثم إغتيال الرئيس الحريري وبعده الرئيس الشيشاني مسخادوف وأخيراً محاولة إغتيال رئيس كوسوفو ابراهيم روغوفا والبقية تأتي.

النكتة المأساوية هي تصديق تحول العالم الى سياسة الإغتيالات بمحض الصدفة. أما لا واقعية الواقع فهي تقتضي منا جمع مركبات ( البازل) هذا الواقع. وفيها نعدد المركبات التالية:

1. مؤتمر الرياض الدولي لمكافحة الإرهاب: وهو يعتبر تكملة لمؤتمر شرم الشيخ الأول للإرهاب وصدرت عن المؤتمر مقررات تحرج السلطات العربية أمام الأصولية الإسلامية بل أن هذه المقررات تكرس الشقاق والقطيعة بين الطرفين.

2. التصعيد الفرنسي المبالغ: باتجاه الدفع لتطبيق القرار 1559 وهو ترافق مع إعلانات فرنسية من نوع إن هذا القرار يسقط اتفاق الطائف، وقول شيراك الصريح: لبنان هو عراق فرنسا.

3. الفشل الأميركي في الانتخابات العراقية: التي اعتبرت نصرا ناجزا لإيران. مما حرم الولايات المتحدة من رغبة تخليق قرضاي عراقي على غرار الأفغاني.

4. صدور تقرير مخباراتي أميركي يحدد العام 2020 عام نهاية الآحادية الأميركية العالمية.

5. نجاح الحريري في احتواء المعارضة: ومعها الأقليات والعاملين في المجتمع المدني وغيرهما من القنوات التي تعتمدها المخابرات الأميركية للتسلل إلى داخل المجتمعات وصناعة الفوضى فيها. والسيطرة على هذه القنوات تعني السيطرة على معادلاتها السورية والمرتبطة باللبنانية لضيق حيز السوري لتحركها.

6. اعتدال تقرير موفد كوفي عنان المدعو دي ميستورا، الذي وصفته أميركا وفرنسا بالميوعة ومالتا إلى رفضه.

7. إعادة هيكلة سريعة للأجهزة الأمينة السورية المعنية بالملف اللبناني. وانتهاج سياسة جديدة في التعاطي مع الشأن اللبناني بما وضع الحدود للتسريبات الأمنية.

8. إعادة هيكلية المخابرات الأميركية وعودتها لإنشاء فرق متخصصة بالعمليات المخابراتية القذرة اغتيالات انقلابات إثارة فتن وغيرها.

9. الاتجاه الأميركي للخروج من حالة الطلاق مع أوروبا وزيارات كونداليزا رايس الأوربية تمهيدا لزيارة بوش التصالحية أو محاولة التصالحية.

10. تصاعد التهديد الأميركي الظواهري بضربة عسكرية لإيران.

11. إعلان كوريا الشمالية عن ملكيتها للأسلحة النووية: وهو ما أحرج عقيدة الحرب الاستباقية الأميركية فعجل بتخريب بدائل تلك العقيدة ومنها عقيدة العمليات القذرة.

12. زيارة الرئيس السوري لروسيا: ودعوته إياها للعودة إلى المنطقة من البوابة السورية.

13. إعلان الجبهة الإيرانية السورية: بمناسبة زيارة رئيس الوزراء السوري إلى طهران وذلك في وجه تصاعد التهديدات الأميركية لسوريا وإيران.

14. تبدي مظاهر التراجع والوهن العسكري الأميركي عبر النقاط المعروضة أعلاه مجتمعة.

وهذه النقطة الأخيرة تبدت متفجرة ومعلنة في اليوم التالي لاغتيال الحريري عندما أعلنت محطة إيرانية عن قيام طائرة غير معروفة بضرب مفاعل بو شهر الإيراني. فأتى النفي الأميركي والإسرائيلي خلال 12 دقيقة. من إعلان النبأ. وهذه السرعة تفسر إعلانات رايس وبوش المتكررة عن عدم وجود خطة عسكرية أميركية ضد إيران.

فإذا ما أضفنا إلى ذلك رغبة استرضاء أميركا مع الاستسلام لفوز إيران في الانتخابات العراقية وغيرها من المؤشرات فإننا نصل إلى نتيجة مؤداها رغبة أميركية حقيقية في الخروج من العراق والمنطقة مع العودة إلى سياسة الإحتواء المزدوج القديمة أي تحديدا إلى نسخ سياسة كلينتون تجاه المنطقة (أي الحصول على كل المصالح الأميركية ولكن بالطلب وليس بالعسكر).

على ضوء هذه المعطيات كيف يمكن النظر الى الإغتيالات ومحاولات الإغتيال الحاصلة وعن سلسلة الإغتيالات القادمة؟. وهل يكفي الحريري في لبنان أم أن البوابة اللبنانية سوف تستدعي إغتيالات أخرى؟. والأهم في مسرحية الكراسي هذه هو البحث عن ثرثرة مسروقة من لحظة فراغ الزمن. وهي ثرثرة تتناول الشرق الأوسط الكبير والنفط والحاجة لتسخير الإقتصاد الأوروبي أميركياً عن طريق التحكم في بورصة النفط وإيجاد مخرج لأزمة القوة الممارسة عشوائياً من قبل صقور بوش والنتائج المأساوية لهذه القوة. وأيضاً الثرثرة حول موت الوحش الجريح وقدرته على إلتهام أعدائه قبل موته...الخ من الثرثرة.

جهاز الحريري الاستشاري لم يقرأ جيداً هذه التحولات. فقد كان سلوك الحريري السياسي يصب في خانة التوجيه الإستشاري الخاطيء. وهو تحديداً الخطأ المؤكد على ضربة عسكرية وشيكة لإيران وعلى فقدان توجه سوري في ظل الضغوط الأميركية. وهي آراء تدفع نحو سلوك يحرج كل اللاعبين من رئيسيين وفرعيين وهامشيين. فإذا ما أضفنا الى كل هذا التخبط إبتزاز ماسحي الجوخ من المرشحين الآملين بتمويل الحريري فإننا نستنتج أن جهاز الحريري وبطانته هما المسؤولين عن الخطأ القاتل الذي دفع باللاعب المجهول الى إغتياله.... وربما كانت المخابرات الفرنسية وحدها التي قرأت واقع التحول السياسي الأميركي فأعدت العدة لملء الفراغ الأميركي في لبنان والعقبة تأتي....

وها هو لبنان يعيش لحظة مسروقة من الزمن وهو يواجهها بدون حكومة وبقائمة من التهديدات وفوق هذا وذاك بنكتة مأساوية قوامها الإنقسام النصفي للشارع اللبناني. وعنها تتفرع جملة نكات مأساوية أخرى كمثل تحويل لبنان الى عراق فرنسي أو أميركي لا يهم. أو إضافة حصار سوري على الحصار الحالي للإقتصاد اللبناني. أو النكوص الى لعبة أمراء الحرب الأهلية. أو تسليم البلد لحكم التكنوقراط أو لقادة المجتمع المدني لتتخذ الديمقراطية دلالة ديمقراطية أثينا المرذولة. أم ترك البلد للفراغ الدستوري ليفقد شكل الدولة الذي طالما إنتحله. وتبقى النكتة الأكثر مأساوية هي نكوص البلد الى واحدة من محطاته النكوصية في أعوام 1958 و1969 و1975 و1982 و1989 مع الإلتفات الى نكتة تجاهل واقعة أن التاريخ يميل دائماً الى المحطات الأقدم. مع ترك البلد غاطساً في حلم التوحد عن طريق المظاهرات الإنقسامية.

إن أخطاراً حقيقية تتهدد لبنان والتدخلات الأجنبية فيه ليست نكتة مؤامرة. ونكتة المظاهرات إنما تعني تقسيم لبنان وكنفدرلته. وربما كانت هذه الأخيرة أكثر النكات واقعية في اللاواقع اللبناني. فهل من يريد تهريب البلد من السقف الواقع على رأسه؟. أم هي لذة العبث بلحظة مسروقة من الزمن حتى بثمن الموت؟.

بعض اللبنانيين يسعى للخروج من مسرحية الكراسي هذه دون أن يسمع صوته وسط ضجيج الهتافات والإنفعالات والتظاهرات. وهذا الكبت قد يسكت آخر أصوات الحكمة في البلد ليتركه الى حكم النكات وفق مسرحية الكراسي.

إن تخطي لاواقعية هذا الواقع ،لمن يريد هذا التخطي، يقتضي الإنتباه الى واقعة كون الرئيس كرامي آخر الرجال المحترمين على المسرح السني الراهن. ومن حق النائب بهية الحريري أن تشرف شخصياً على التحقيق في إغتيال شقيقها عبر تسلمها وزارة العدل. ومن حق البلد تأجيل الإنتخابات لغاية خروج البلد من فوضاه الإصطناعية الراهنة. ولتكن الحكومة قادرة على تهريب البلد من مواجهة الخيارات الصعبة. ولنتذكر أن الرئيس كرامي يدفع اليوم ثمن سجاله مع سعادة السفير الأميركي فيلتمان. والرجل لا يجد في ذلك بأساً وهو الذي أدمن دفع مثل هذه الأثمان. ولنذكر أيضاً أن كرامي كان قادراً على لعب دور رئيسي في مسرحية الكراسي المطروحة لكنه رافض لهذا الدور. فهل يصل صوت الحكمة بعد خفوت ضجيج الهتافات؟.

د. محمد احمد النابلسي

رئيس المركز العربي للدراسات المسستقبلية

ما هذا ؟

|
 
 
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق